Saturday, November 7, 2015

في ذكرى استشهاده: اﻹمام السجاد " عليه السلام " الرحمة الواسعة من رحم الفاجعة

 في ذكرى استشهاده:
امام السجاد " عليه السلام "
الرحمة الواسعة من رحم الفاجعة

بقلم: إبراهيم حسن إبراهيم صالح.  الدير
الولادة: الخامس من شهر شعبان سنة 38هـ
الشهادة: الخامس والعشرين من شهر محرم سنة 95هـ.   
           هذا الذي تعرف البطحاء وطأته                                          والبيت يعرفه والحل والحرم 
           هذا ابن خير عباد الله كلهم                                               هذا التقي النقي الطاهر العلم
                                                                                                                        " الفرزدق "
في إحدى المناطق العراقية هاجم قطيع من القتلة الدواعش أحد البيوت وقاموا بحشر جميع أفراده في الصالة وهم اﻷب و الأم وأربعة من الأبناء بينهم طفل رضيع و ثلاث بنات، ثم قام القتلة بأخذ اﻷب وأبنائه الثلاثة إلى جانب من الصالة وأمام أعين الأم وبناتها المرعوبات قاموا بذبحهم كما تذبح الخراف وفصلوا الرؤوس عن الأجساد لتتلطخ أرض الصالة بدمائهم.  وفي غمرة عويل الأم وبناتها انقض أحد الذئاب على الطفل الرضيع وانتزعه من بين يدي والدته المصدومة ثم قام بذبحه كما يذبح الطائر وألقى بجثته على صدر أبيه!!!!!! 
تفرقت الوحوش في غرف البيت لسرقة ما يطيب لهم ثم قاموا بسحب الأم وبناتها كغنائم، وقبل المغادرة – واستكمالا لجريمتهم البشعة - قاموا بإشعال النار في البيت!!!! ويشاء القدر أن ينجو أحد الأبناء وعمره ثمانية عشر عاما من هذه المذبحة البشعة حيث كان مختبئا في إحدى الزوايا يراهم من حيث ﻻ يرونه ليتمكن من الفرار من خلال باب صغير خلف المطبخ قبل أن تصل إليه النار ليصل بعد ذلك إلى أحد بيوت أقربائه ليروي فصول هذه الجريمة النكراء التي تتكرر صورها كل يوم على أيدي نسخ ممسوخة من حرملة والشمر بن ذي الجوشن " عليهم لعائن الله".
يقول علماء النفس والأطباء النفسيون: إن من ترتكب أمامه مثل هذه الجريمة وبأفراد أسرته سيصاب بصدمة عصبية عنيفة مع اكتئاب شديد قد يصل به الحال إلى الانتحار، وقد يصاب بانفصام في الشخصية " مرض عقلي " إذا توافر العامل الوراثي. كما يصاب هذا الشخص بميل للعزلة ورغبة في الانتقام - إلا من رحم الله -. كل هذه الصور من البشاعات والجرائم النكراء بتفاصيلها وما هو أشد وأبشع منها شهدها الإمام السجاد "عليه السلام " في فاجعة كربلاء يوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61ه.
إنها أبشع المجازر التي عرفتها البشرية اقترفها الأمويون بحق الإمام الحسين " عليه السلام " وأهل بيته وأصحابه وعائلته المقدسة من نساء وأطفال.  لقد شهد الإمام السجاد " عليه السلام " فصول هذه الفاجعة؛ من نفاد الماء من المخيمات إلى سقوط أول شهيد إلى ذبح الطفل الرضيع من الوريد إلى الوريد إلى وحدة أبيه بلا ناصر و ﻻ معين ثم استشهاده وحز رأسه و وطء جسده الطاهر بالخيول الأعوجية ثم سلب النساء و حرق الخيام وفرار النساء والأطفال على وجوههم في البيداء ثم السبي وما أدراك ما السبي؟ مع ما له من دور إعلامي عظيم أسهم في نشر أخبار هذه الفاجعة وحفظ تفاصيلها وفضح الحكم الأموي بإبراز جرائمه أمام الرأي العام وكشف زيفه وأكاذيبه من خلال خطب الإمام السجاد " عليه السلام " وخطب العقيلة السيدة زينب " عليها السلام “.  إلا أن دخول النساء والأطفال لمجلس يزيد ترك جرحا عميقا في قلب الإمام "عليه السلام" تحسه من خلال الحوار الذي دار بين أبي حمزة الثمالي واﻹمام السجاد " عليه السلام “عندما عاتبه أبو حمزة على كثرة البكاء.  وخير من جسد هذا الحوار وأبرز مشاعر الإمام وألمه الشاعر العملاق والخطيب الكبير الملا عطية الجمري "عليه رحمة الله " في إحدى قصائده المؤثرة.
مع كل تلك المعاناة والمآسي إلا أن الإمام السجاد " عليه السلام " قد تسامى على كل الجراحات والآلام ليصبح فيضا من الرحمة ونهرا من المحبة والشفقة حتى مع ألد الأعداء وأشدهم بغضا ونصبا لأهل البيت " ع " وهو مروان بن الحكم عندما لجأ إليه ليكفل عائلته أثنا ثورة المدينة على الحكم الأموي حيث قام الإمام " ع " بضم عائلة مروان إلى عائلته ليلقوا أحسن المعاملة. إنه القلب الكبير الخالي من الحقد والرغبة في الانتقام مع توافر الفرصة.
من رحم هذه المعاناة لهذا الإمام العظيم جاءت هذه التحفة الحقوقية التي سبق بها الإمام "ع" كل المنظمات الحقوقية في العالم إنها "رسالة الحقوق ". ومن كبد الألم والجراحات والصبر على النوائب والرضا بقضاء الله جاءت "الصحيفة السجادية" وما تحمله من غذاء روحي يسمو بالنفس البشرية لتنعتق من أغلال الدنيا ومفاتنها وترتقي في مدارج الكمال والقرب من الله " جل وعلا ". من شدة الإحساس بآلام الآخرين ومعاناتهم والرغبة في إسعادهم وضع الإمام " ع " برنامجا لتحرير العبيد بعد شرائهم ثم رعايتهم وتعليمهم ثم عتقهم ومنح كل واحد منهم مبلغا من المال ليبدأ به حياة كريمة ويكون واحدا من الدعاة لمدرسة أهل البيت " ع “.
إنه صاحب الجراب الذي كان يطوف به في ظلمة الليل على بيوت الفقراء والمساكين ليمدهم بالطعام دون أن يعرفوا شخصيته إلا بعد شهادته " ع " بل إن بعضهم كانوا ينالون منه ويتهجمون عليه في مجالسهم.!!! وكان عليه السلام يقف على القدور بعد أن يجهز الطعام ليأمر بأن يغرف الطعام لبيت فلان وبيت فلان وخاصة الأرامل والأيتام. وعندما ينتهي من كل ذلك يجلس مع الخدم ليتناول معهم الطعام.  وفي ظل القمع الأموي ﻻ ينسى الإمام "ع"  فاجعة الطف وتذكير المجتمع بما حصل فيها بصور وطرائق مختلفة ، كما كان " سلام الله عليه " يولي طلابه ومريديه اهتماما كبيرا بتزويدهم من فيض علمه ومعرفته.
إنها مدرسة كربلاء إنها العصمة والتربية المحمدية والبيت الطاهر كل أولئك أنجبوا زين العابدين وسيد الساجدين الإمام علي بن الحسين " عليه السلام " إنه الرحمة الواسعة من بطن الفاجعة.
 فسلام الله عليك يا سيدي ومولاي يا أبا محمد يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.

السبت 24 من شهر محرم الحرام 1437ه.
مأجورين

"أبو صادق "