*⚫ورحل عاشق البحر وشيخ النواخذة وآخر الربابنة الكبار بقرية الدير رمز الفرح والسعادة عميد أسرة آل حماد الكرام⚫*
بقلم : إبراهيم حسن إبراهيم صالح - الدير
https://www.instagram.com/p/CPqAAXDr0AV/
عند الساعة 11:33 من مساء يوم الإثنين 18 من شهر شوال 1442هـ الموافق 31 من شهر مايو 2021م انتقل إلى رحمة الله تعالى ابن العمة الحاج إبراهيم بن أحمد بن حماد بن أحمد بن حماد .
عن عمر نيف على الثمانين عاماً. لقد نزل خبر وفاته – رحمه الله – نزول الصاعقة على رؤوس الأهل والأصدقاء وعموم أفراد القرية بل وخارجها. لما يتمتع به المرحوم من علاقات متشعبة وممتدة. وبوفاته انكسر العمود وهوت الخيمة وانطفأ سراج البيت.
عندما عزمت أن أكتب بضعة سطور عن سيرة المرحوم، تحيرت من أين أبدأ ؟ وتلكأ قلمي في الانطلاق. فهذه الشخصية ليس لها مفتاح واحد لأنطلق منه. إنها شخصية ذات جوانب متعددة ومتشعبة. وللهروب من هذه الحيرة لجأت إلى الطريقة التقليدية :
*◼️أولاَ : الولادة والنشأة :◼️*
ولد المرحوم في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي في بيت عريق ارتبط أفراده بالبحر بشقيه الغوص وصيد الأسماك وبرزت منهم سلسلة ذهبية من النواخذة . فتح المرحوم عينيه على بيتين للأسرة أحدهما لفصل الصيف مبني من سعف النخيل يطلق عليه بيت القيظ وهو يطل على البحر والثاني بيت الشتاء مبني من الحجارة . وهو طفل صغير يرتع ويلعب مع الأطفال على الشاطئ ويمتع ناظريه بجمال البحر وزرقته الآسرة ويشاهد عشرات السفن وهي تتهادى بأشرعتها البيضاء غادية رائحة كما يشاهد حركة البحر في أثناء السقي والثبر ((الفبر)) المد والجزر . كما يمارس عملية صيد الأسماك الصغيرة بواسطة النشاشيل أو بعض الأواني المعدنية . وأحياناً يصاحب أعمامه في جمع الحشائش مثل العلوب والخيضر واللين والنغول والفريها وغيرها. والتي تشكل حقولا تنتشر من الشرق إلى الغرب. كل طفل يحمل مخلية (مخلاة) أو ضحية كلما امتلأت وضعها في المرحلة أو في الميص ثم تنقل إلى الهوري . هذا الطفل يشاهد كل هذا الجمال ويستمع إلى حكايات البحر والغوص من جده النوخذة الحاج حماد ومن والده وأعمامه ٠وقد اصطحبه والده وهو طفل صغير إلى الغوص كما كان يستمع إلى حكايات رواد مجلسهم العامر عن أمور البحر وشؤونه وشجونه ويشاهد عمليات صناعة القراقير ودمج الحبال من الليف . كل ذلك جعله يَنشَدّ بكل جوارحه وأحاسيسه إلى كل ما يسمع ليزرع في داخله عشقاً وولهاً وتعلقاً بالبحر . وعندما وصل إلى سن الشباب التحق بشركة النفط إلا أنه لم يمكث سوى بضعة أشهر وعاد لأحضان معشوقه البحر .
هذا الوله وهذا العشق للبحر أنتج نوخدةً متميزاً ورباناً لا يشق له غبار تدرب وتمرن على ظهر السفن الشراعية مع أعمامه بدون استخدام البوصله اعتمادا على القيد والعَلْم في البر أثناء النهار وفي الليل على النجوم . مع معرفة دقيقة بطبيعة المصايد ومكوناتها. ولما شب عوده واشتد ساعده أصبح هو الربان وهو القائد، وبعد السفن الشراعية اشتروا سفينة صغيرة بمحرك صغير في مطلع الخمسينات من القرن الماضي ثم اشتروا سفينة أكبر منها في مطلع الستينات وقد عملت معه على هذه السفينة عدة سنوات أثناء العطلة الصيفية. وكان رحمه الله يتمتع ببصر حاد وذاكرة فولاذية ومعرفة خرافية بمكونات المصايد والمباحر وتفاصيل كل مكون إن كانت لحوفا أو كشور " قشور " أو كصاصير " قصاصير " أو عرشان أو بجم أو أزياج . وأنا أتذكر عندما كنا نبحر في فشت الجارم كانت هناك مجموعة من القراقير ( متيوحه شلواح (بلا جيابيل) ) في الفشت وكنا ( نباريهم ) بعد صلاة الفجر مباشرة (بعده غليس قبل ما تبان الشوفة) ومع ذلك كان يقف عليهم واحدا بعد الآخر ودون أن يخطئ في موقع أي واحد منهم . وكل من عمل معه في البحر يروي الكثير من الحكايات عن مهاراته – رحمه الله – وقدراته على الوصول إلى المصايد وتحديد مواقعها دون الاعتماد على الديره مع مواقعها البعيدة .
لقد بقى يقود السفن الخشبية حتى غربت شمسها و جاءت دولة ( الفيبر ) واستمر في قيادتها . مرت به الكثير من الأحداث والحوادث على ظهر تلك السفن ، واجهها بكل صلابة ورباطة جأش حتى جاء زمن الآسيويين وتقدم به العمر وظهرت آثار العمل في البحر لسنين طويلة على ساقيه وبالأخص الركبتين مما جعله يترجل عن ركوب السفن إلا أنه بقي متابعاً لأمور الصيد يعطي التوجيه والمشورة وتولى ابنه رضا الإشراف المباشر على العمل.
*◼️ثانياً : جوده وكرمه:◼️*
كان رحمه الله جواداً كريما وبفضل جوده وكرمه كوّن الكثير من العلاقات والصداقات داخل البحرين وخارجها وخاصة مع الذين كان يلتقي بهم خلال سفراته الكثيرة لإيران، ولا عجب في ذلك فهو ينحدر من بيت عز وجود وكرم . هذا البيت اسمه أشهر من نار على علم حيث كان مجلسهم لا يخلو من الضيوف على مدار العام وبالأخص في زمن المجاعة أثناء الحرب العالمية الثانية، كان هذا المجلس لا يغلق أبوابه على مدار اليوم. إنها عائلة ذات جذور عريقة وفروع وارفة ظليلة. فعندما توفي المرحوم الحاج حماد بن أحمد بن حماد جد المرحوم أبي رضا في صيف عام 1961م قال المرحوم الحاج حسن بن علي الحماقي : (( لقد مات جد الديرة كلها )) هذا ما رواه لي الأستاذ عيسى الشيخ (( أبو محمد )) حيث سمعه من المرحوم الحماقي عندما كان ذاهباً ( للخراف ) من أم نخيلة. فهناك عشرات العوائل ترتبط بنسب مع آل حماد ولهذا النسب رمز وهو عبارة " الخال " .
كان رحمه الله يقيم في كل عام وليمة يدعو إليها الأهل والأصدقاء من داخل القرية ومن خارجها وبعضهم من المنطقة الشرقية ممن عاشرهم في السفر. وكان رحمه الله يكلف عديله الأستاذ أحمد صالح خليفة ( أبو هود) ليتواصل مع مطبخ السادة لإعداد ما يلزم لهذه الوليمة وكان يؤكد عليه أكثر من مرة على جودة الذبائح كما يحرص أشد الحرص على جودة الأسماك وأن تكون الكمية راهية وكل شي على ما يرام .
كان رحمه الله يتفقد الحضور ويسأل عن الصغير قبل الكبير. كان رحمه الله حلو المعشر يطفح البِشر على محياه وينشر الفرح والسرور أينما حل . كان عليه الرحمة يتحدث مع جلسائه بلا تكلف ولا تصنع يتكلم بلهجة ديرية أصيلة فينطق الكاف كافا كما ينطقها الآباء والأجداد فيسمي ( البكل ) (بَكِل) بلا قلب الكاف إلى الجيم الانجليزية الدخيلة ويسمي الكين ( كين ) بلا تكلف .
*◼️ثالثاً : ارتباطه بالمأتم الشمالي ((مأتم محمد علي )):◼️*
تجده دائماً هناك على يسار المنبر لا يفارق هذا المكان حتى عندما تعبت رجلاه لم يترك الحضور إلى المأتم إنه عشق الحسين عليه السلام وحب أهل بيته (ع) . وهو ارتباط عائلي وصلة نسب فهناك مجموعة من أولاد المرحوم محمد علي – لعلهم أربعة – جدتهم لأمهم بنت حماد .
*◼️رابعاً : الرحيل المؤلم :◼️*
لقد رحل المرحوم أبو رضا وفي صدره الكثير من الكنوز عن كثير من الوقائع والأحداث والحكايات . منها ما يتعلق بالبحر ومنها ما يتعلق بالوقائع والأحداث التي مرت بها البحرين . وبعضها له صلة ببعض الأشخاص وبعض العادات والتقاليد ربما ذكر بعضها في بعض المقابلات ومنها المقابلة التي أجراها معه الأخ ميرزا أبو ثابت . لقد رحل تاركاً في النفس غصة وفي القلب جرح لا يندمل .
كنت على أمل أن ألتقي به رحمه الله بعد عيد الفطر المبارك لأستكمل كتابة بعض الأمور المتعلقة ببعض المواسم. إلا أن الأجل كان أسرع ومخالب الكورونا كانت أمضى وأفتك .
وَإِذا المَنِيَّـةُ أَنشَبَـت أَظفارَهـا أَلفَيـتَ كُـلَّ تَميمَـةٍ لا تَنـفَـعُ ((أبو ذؤيب الهذلي))
ومما يحز في النفس ويدمي القلب ونحن في زمن الكورونا الردي ، أن يدفن المرء بعيدا عن أرضه وفي أواخر الليل وأن تحرم جموع المشيعين من حضور جنازته .
أسأل الله أن يكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بحق محمد وآله سرج الظلمة (ص) أمين رب العالمين.
رحمك الله يا أبا رضا وحشرك مع محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين " ص " في دار كرامته .
أسأل الله جل وعلا أن يسير أبناؤه على خطاه كي تقر عينه وهو في تربته .
🌑 أبو صادق 🌑
" الفاتحة لروحه الطاهرة "
الخميس :، 21 شوال 1442 هجرية .
الموافق : 3 يونيو 2021 ميلادية .