في ذكرى أربعينية ابنتي الحبيبة الغالية الشابة العزيزة "فاطمة"
بقلم : الوالد المحزون إبراهيم حسن إبراهيم صالح - الدير
{تصبحين على خير، فترد قائلة : أحبك فأقول لها : أحبش أكثر }
بهذه العبارة كنت أودعها كل ليلة سواء أكانت في البيت أم في المستشفى رغم معاناتها وآلامها الشديدة. إلى أنْ أطبق المرض على صوتها فكانت تحاول أنْ ترد فلا تستطيع فتسيل دموعها على وجنتيها كاللؤلؤ الرطب عندها لا استطيع أنْ أمسك نفسي من البكاء .
كنت أتمنى أنْ أزفها عروسة وأسعد بذريتها، ويشاء القدر في الثامن عشر من شوال من سنة 1446 للهجرة الموافق للسابع عشر من شهر إبريل 2025م أنْ أشيعها إلى لحدها مقطعة الأوصال قد سبقها جزء من ساقها اليسرى إلى المقبرة وألحق الجزء الثاني بجثمانها غادرت الحياة وجسمها قد تحول إلى قرحة ، لترفع شكواها إلى خالقها لما فعله هذا المستشفى من إجرام. علماً بأنها قد دخلته ماشية على قدميها مع التهاب في إبهام القدم اليسرى لتغادره على الصورة التي ذكرتها !!!
لقد عانت المرحومة مع المرض أشد المعاناة فكانت تمر عليها أيام كثيرة لا تعرف طعم النوم لا في الليل ولا في النهار رغم المسكنات التي تعطى لها ، كان الوقت يمر عليها وهي جالسة على السرير متغطية باللحاف ولايكاد رأسها يلامس الوسادة حتى تعود للجلوس .
ومن أشد الأوقات صعوبة وألماً ممضاً عليها عندما تقوم الممرضات بمداواة جراحها فكان بكاؤها يسمع في ممرات الجناح !!!
*رحلة الفقيدة الغالية مع المرض :
بدأت هذه المسيرة من المرحلة الثانوية حيث أصيبت بمرض السكري لأرافقها إلى العديد من الأطباء والمستشفيات وخاصة عندما بدت مفاعيله تؤثر على شبكية العين فمن السلمانية إلى ابن النفيس إلى مركز المنال ومستشفى اللؤلؤة إلى مستشفى الدكتورة هيفاء للعيون.
*السفر إلى شيراز :
مدينة شيراز تعتبر من المدن المشهورة في مجال طب العيون منذ زمن ليس بالقصير وهي مقصد لطالبي العلاج من خارج إيران ومن داخلها، فكان من الطبيعي أنْ نيمم شطرها وقد تعرفنا على منسقة طبية اسمها { فرزانة عربي } عن طريق الأخ عصام محمد عيسى الذي كان في رحلة علاج مع والده وهذه المنسقة تحمل ماجستير في اللغة العربية ولها علاقات متشعبة مع المستشفيات والعيادات والفنادق وحتى اصحاب سيارات الأجرة وكانت على أخلاق رفيعة. وقد سهلت لنا الكثير من الأمور خلال الرحلات الثلاث التي قمنا بها إلى شيراز.
الرحلة الأولى:
من تاريخ 2023/5/16م
إلى 2023/6/1م
المدة 16 يوما.
برفقة ابن الخال أبي أسامة محمد علي عبدالله سلطان الذي كان نعم الرفيق: ففي السفر تتكشف معادن الرجال.
أبو أسامة نعم الأخ ونعم الرجل ونعم المرافق فكان عيني وعضدي خاصة وأنّ العلاج كان ذا شعبتين العيون من جهة وغسيل الكلى من جهة ثانية فكان يتحمل عني الجزء الأكبر والحمل الأثقل فجزاه الله خير الجزاء.
الطبيب المعالج اسمه : (فيصل راحت) وهو طبيب مشهور شهرة كبيرة فعيادته كخلية النحل من مختلف المناطق والجنسيات.
الرحلة الثانية:
من تاريخ 2023/8/22م
إلى 2023/8/27م
المدة 6 أيام.
عدنا إلى أرض الوطن وكنا نتابع مع الدكتور عن طريق إرسال قراءة ضغط العين التي نرسلها للمنسقة الطبية حيث ترسلها للطبيب.
بعد فترة قررنا العودة إلى شيراز بناء على طلب الطبيب.
الرحلة الثالثة:
من تاريخ 2023/9/28م
إلى 2023/10/10م
المدة 12 يوما.
في هذه الرحلة كان من المفترض أن يرافقني الأخ أبو أسامه إلا أنه عزم على السفر إلى مشهد فكان الخيار الأمثل ابن أخي علي محمد حسن إبراهيم فلديه خبرة في مجال السفر وهو رجل يعتمد علية وهذا ما أكدته وأثبتته هذه السفرة.
في هذه الرحلة حصلت الكثير من المشاكل منها :
1- تحويل المرحومة من الدكتور"راحت" إلى الدكتور "بني فاطم" الذي بدوره رفض إجراء العملية لخطورتها.
2- كون المرحومة في مركز الغسيل وتعرضي لهبوط ودخلت في غيبوبة في 2023/10/6م ، وتعرض علي لهبوط نتيجة الإرهاق ودخل المستشفى لمدة ثلاث ساعات.
في تاريخ 2023/10/11م قررنا العودة إلى البحرين، وفي مطار شيراز تعرضت المرحومة لهبوط في السكر وكان علي يحمل على كاهله رعاية مريضين كل واحد منهما على كرسي، وفي مطار البحرين تعرضت المرحومة إلى هبوط آخر مما استوجب طلب الإسعاف ونقلها لمستشفى الملك حمد وأنا كذلك بسبب نزيف في المعدة دخلت على إثره قسم العناية لإجراء عملية.
وقد أثبت ابن أخي (علي) بأنه نعم الرجل الذي يعتمد عليه في المهمات الصعبه ويعتد به في الملمات وما زال إلى اليوم تستطيع أن تضعه على يمناك كما يقال .
فعندما أصيب ابني صادق بجلطه دماغية كان له ولأخي أبي هشام وقفة لاتنسى ولازال في متابعة مواعيد صادق فجزاهم الله خير الجزاء.
*مرة أخرى مع العيون:
لما عدنا إلي البحرين وشفيت بحمد الله مما تعرضت له توجهت مع المرحومة إلى عيادة الدكتور سيد جلال الموسوي، وبعد الفحوصات حولنا إلى الدكتور محمد شاكر العمران وبعد العديد من الزيارات والفحوصات تم إجراء أكثر من عملية في مستشفى الجوهرة على يد استشاريين في طب العيون إلا أنْ شمعة عينها بدت تذبل شيئاً فشيئا لتدخل"رحمها الله" في ظلمة فقد البصر.
ومع ذلك لم تفقد الأمل ولم يتسرب اليأس إلى نفسها .
لقد كانت الفقيدة الغالية بالنسبة لي العصا التي أتوكأ عليها فعندما أخذت السيارة كانت ترافقني لقضاء مشاويري داخل القرية وخارجها، كانت المرحومة شديدة الوفاء والمحبة لصديقاتها وصديقات المرحومة والدتها لاتنساهن في كل المناسبات رغم معاناتها مع المرض.
*أشخاص في مسيرة العلاج:
يقال: عند الشدائد يعرف الإخوان وتنكشف المعادن معادن الأشخاص، والمرض من المحطات التي تتكشف فيها المواقف والعلاقات.
1- بنت أخي"حوراء محمد حسن إبراهيم"
كانت للفقيدة نعم الأخت ونعم الممرضة والمتابعة لحالتها تقدم لها الأدوية وتقيس لها السكر والضغط وتعطيها الطعام عن طريق الأنبوب في الفترة التي كانت لاتستطيع الأكل بصورة طبيعية.تتابع احتياجاتها في المستشفى ، وخاصة في الفترة التي سبقت وصول الشغالة (ستي) كما كانت وما زالت تقوم بتوصيلي لقضاء احتياجاتي ، وكانت ترافق المرحومة في المناسبات الاجتماعية من أفراح وأحزان .
كانت الفقيدة الغالية تحمل محبة خاصة لأولاد حوراء أولاد جعفر عبدالله كاظم وتحرص على مشاركتهم في أعياد ميلادهم وقد ورثت هذه المحبة من والدتها أم صادق "رحمها الله" فكانت تشرق بريقها عندما تذكر اسم محمد جعفر وهو لا يناديها إلا أمّاه "و المحبة نحايل".
*علاقة المرحومة بأخيها عبدالله:
لقد ارتبطت الفقيدة الغالية بعلاقة خاصه مع أخيها عبدالله فكانت تخاف عليه من نسمة الهواء إذا هبت وهو لم يقصر في تلبية كل احتياجاتها وطلباتها وخاصة في الفترة التي سبقت وصول الشغالة "ستي" التي رافقت الفقيدة في البيت و المستشفى وأدت أعمالاً كبيرة.
*الطفل حسين علي محمد حسن (حسون):
محبوب الجميع كانت له محبة خاصة عند الفقيدة حتى وهي في المستشفى كانت تطلب أنْ يأتوا به وإذا تعذر الأمر يسمعونها صوته عبر الهاتف.
*الصديقة الصدوقة:
كانت رحمها الله عزيزة النفس لاتقبل مني أنْ أتصل بأية واحدة من معارفها لمرافقتها لقضاء بعض احتياجاتها في الفترة التي فقدت فيها البصر.
كانت إحدى صديقاتها شديدة الإخلاص والوفاء لها وكانت تحرص على مرافقتها إلى خارج المنزل للتسوق أو زيارة أحد المطاعم ولما أعجزها المرض عن القدرة على الحركه بعد عمليات البتر التي تعرضت لها ساقها اليسرى وأصبحت طريحة الفراش كانت تحرص على زيارتها في البيت أو في المستشفى وتبقى إلى جانبها حتى بعد انتهاء وقت الزيارة،وحتى وهي في قسم غسيل الكلى كانت لا تتركها وتحرص على إحضار ماتحبة من الطعام وبقيت إلى جانبها إلى ان ودعتها الوداع الأخير في المستشفى وفي المغتسل ، وكانت تحضر كل يوم في فاتحتها وهي تحرص كل صباح على زيارة قبرها لقراءة الفاتحة إنها الصديقة الصدوقة "فاطمة قريص (أم دانه)" فجزاها الله خير الجزاء.
على الرغم من معاناتها الشديدة وقوة المرض وأثره عليها إلا أنها كانت يوم العيد تسأل وتذكر: ( وديتون بيت فلان؟) ( ولاتنسون بيت فلان من الأهل والجيران والأصدقاء )، وكانت الفقيدة الغالية تسألني وتذكرني بمواقيت النذور وقراءة بعض الوفيات بالنسبة للنساء وكانت تدفع بسخاء من راتبها التقاعدي في هذه المناسبات وإذا ماسمعت بأنّ إحدى صديقاتها قد رزقها الله بمولود كانت تبادر لإرسال مبلغ من المال.
*وصية المرحومة:
الموت حق ومن هذا المنطلق أوصت الفقيدة الغالية بأنْ تدفن قرب والدتها كما أوصت بمبلغ لمصاريف الدفن والفاتحة وحتى الأربعينية ومصاريفها لم تنسها في وصيتها.
*شكر وتقدير:
"من لايشكر المخلوق لا يشكر الخالق"
الشكر الجزيل والثناء الجميل لكل من مد لي يد العون والمساعدة من الأهل والأصدقاء خلال فترة علاج ابنتي الغالية فاطمة أسأل الله "جل وعلا" أنْ يمكنني من رد جميلهم وأنْ يجعل ذلك في ميزان حسناتهم.
*كلمة وداع:
رحمك الله يا حبيبتي الغالية رحمة الأبرار لقد غادرت هذه الدنيا الفانية وخلفت في قلبي جرحاً لا يندمل وحرارة لاتنطفئ إلى أنْ يجمعني الله بك في دار كرامتة مع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
الأربعاء:
30 من شهر ذي القعدة 1446هجرية
الموافق: 28 من شهر مايو 2025م