Sunday, December 27, 2015

((في ذكرى مولد الحبيب المصطفى (ص)) ((مكارم أخلاق الرسول الأكرم (ص) وإسلام عدي بن حاتم الطائي))

من الأرشيف
((في ذكرى مولد الحبيب المصطفى (ص))
((مكارم أخلاق الرسول الأكرم (ص) وإسلام عدي بن حاتم الطائي))


بقلم: إبراهيم حسن إبراهيم صالح
" الدير "
أيُّ بشرى كست الدنيا بهاءا                                 قم فهني الأرض فيها والسماءا
                                                                للمرحوم السيد حيدر الحلي
ونحن نعيش هذه الذكرى العطرة ذكرى ولادة رسول البشرية والرحمة المهداة رمز الأخلاق العظيمة والأسوة الحسنة والقدوة العظمى والمثل الأعلى ذكرى ولادة من شهد له الباري عز وجل في كتابه الكريم بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) الآية 4 من سورة القلم.
وأي شهادة أعظم من شهادة الخالق جل وعلى
وعندما اختاره الله سبحانه وتعالى وبعثه لتبليغ رسالته رفع صلى الله عليه وآله شعارا لهذه البعثة بقوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
ولقد جسد الرسول الأكرم (ص) هذا الشعار عمليا في جميع مفاصل وتفاصيل حياته الشريفة، لم ينفك عنه طرفة عين أبداً، ومن بوابة أخلاق الرسول الأعظم (ص) دخل الكثير من الناس إلى حصن الإسلام ومن هؤلاء عدي بن حاتم الطائي والذي سنقف عند قصة إسلامه في هذه العجالة.
غزا المسلمون قبيلة طي سنة 7 هجرية بقيادة الإمام علي (ع) وعادوا بالأسرى وفيهم سفانة بنت حاتم الطائي حيث استقبلهم الرسول (ص) وفرش عليه وآله الصلاة والسلام رداءه الشريف لسفانة تقديراً لمكانتها ومنزلتها في قومها، وعندها خاطبت الرسول (ص) قائلة: (يا محمد إن رأيت أن تخلي عني فلا تشمت بي أحياء العرب فإني ابنة سيد قومي وإن أبي كان يفك العاني ويحمي الذمار، ويقري الضيف ويشبع الجائع، ويفرج عن المكروب، ويفشي السلام ويطعم الطعام ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي). فرد الرسول (ص) قائلا: (يا جارية هذه صفة المؤمن حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق). ثم تم إخلاء سبيلها وجميع من معها وأعيد لهم ما أخذ منهم وأكرمها الرسول (ص) غاية الإكرام فعادت إلى حيها وقد دخلت وقومها في الإسلام وأيقنت بأن هذا السلوك وهذه الأخلاق لا تكون إلا للأنبياء.
وفي مضارب طي التقت مع أخيها عدي بعد عودته من الشام إذ لم يكن في القبيلة عندما وصلها المسلمون وروت له ما شاهدته ولمسته من أخلاق النبي الأكرم (ص) ومعاملته الكريمة، وأن هذه الأخلاق لا تكون إلا لنبي وحثته على التوجه للمدينة المنورة للقاء الرسول (ص).
كان عدي بن حاتم الطائي من معدنٍ كريم فهو ابن أجود العرب وأكرمهم وهو زعيم قومه بعد وفاة أبيه حاتم بن عبد الله الطائي وقبيلة طي من القبائل العربية القحطانية التي نزحت من اليمن بعد انهيار سد مأرب ومنازلهم موقعها فيما يعرف الآن بمنطقة حائل وموقعها شمال غرب مدينة الرياض على بعد 600 كيلو متر.

كان عدي من أجواد العرب وكرمائهم وكان شجاعا ً شهماً وفد على الرسول (ص) سنة 7 هجرية وكان آنذاك من أشد الناس كرهاً وعداوةً للإسلام وكان يدين بالمسيحية كبقية أفراد قبيلته وعندما جاء إلى المدينة لم يكن متحمساً للدخول في الإسلام إذ كانت زيارته استطلاعية ليتأكد بأن ما أخبرته به أخته سفانة من أخلاق الرسول (ص) وصفاته حقيقة واقعة على الأرض أم ادعاء ليس له مصداق ولذلك كان راصداً ودقيقاً في ملاحظاته منذ أن دخل مسجد الرسول (ص) إلى أن أعلن إسلامه.
كان في البداية يحمل في ذهنه صورة متخيلة عن الرسول (ص) بأنه واحد من الملوك يريد أن يبسط نفوذه وسلطانه ليتأمر على الناس بمنطق القوة ، ولما دخل المسجد انهدم أول ركن من هذه الصورة فلم يجد أبهة ًولا هيلماناً ولم يجد شخصاً مميزاً في هيئته ولباسه عن بقية من حوله ليس له عرش وحرس يحيطون به ويمنعون الناس من الاقتراب منه، استقبله الرسول (ص) أحسن استقبال ثم اصطحبه إلى بيته وفي الطريق استوقفت الرسول (ص) امرأة عجوز فوقف لها بكل تواضع وأقبل عليها بكل احترام وتقدير واستمع لها بكل اهتمام ولم يقاطعها حتى انتهت من سرد ما تود قوله ثم ودعها بكل حب وتواضع، كل ذلك يجري وعدي يتأمل فينهدم الركن الثاني من الصورة المتخيلة فهذه ليست أخلاق الملوك والأمراء في تعاملهم مع الناس مهما بلغ تواضع البعض منهم إنها أخلاق الأنبياء. وصل عدي بن حاتم مع الرسول (ص) إلى البيت فلم يشاهد قصرا ًمنيفاً يحيط به الجند ونقاط الحراسة ولم يجد سجادةً حمراء بين سماطين من الحرس شاكي السلاح كما هي العادة في قصور الملوك والأمراء، لقد وجد بيتاً بسيطاً متواضعاً مبنيا من السعف والطين، وكثير من بيوت الصحابة أكثر منه فخامة وضخامة. أدخله الرسول (ص) إلى المجلس فوجده مفروشا بالحصُر وبه بعض وسائد الليف لا جلسة فاخرة ولا سجاد ثمين ولا بواب أو مدير مراسم ثم دفع الرسول الأكرم (ص) لعدي بوسادة من تلك الوسائد ليجلس عليها وجلس الرسول (ص) على الحصير وهو مقبلٌ بوجهه عليه والابتسامة تعلو وجهه (ص) كل ذلك يجري وعدي بن حاتم يحلل المشهد في نفسه ليصل إلى نتيجة بأن كل ما رآه وسمعه من ساعة وصوله إلى المسجد حتى هذه اللحظة لا يدل إلا على أمرٍ واحد وهو أن محمداً (ص) نبي مرسل وليس ملكا متوجاً.
في هذا اللقاء دار حديث خلاصته أن الرسول الأكرم (ص) بشّر عدي بن حاتم بأن المستقبل لهذا الدين العظيم وأنه سينتشر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وأن هؤلاء المسلمين الذين يبدون في حالة ضعف سيصبحون بفضل الإسلام القوة العظمى على هذه الأرض، انتهى اللقاء ودخل عدي بن حاتم في دين الله بكل قناعة وصدق وإخلاص وبعد وفاة الرسول (ص) شارك في معظم الفتوحات والمعارك التي خاضها المسلمون وكان من خيرة أصحاب الإمام علي (ع) وقادته، توفي رضي الله عنه في حدود سنة 66 هجرية أو 68 هجرية على اختلاف الروايات عن عمرٍ تجاوز المائة عام.
هذه قصة صحابي جليل دخل إلى الإسلام من بوابة مكارم الأخلاق التي اتصف بها الرسول الأعظم (ص) وجعل منها عنوانا ً لكل مسلم أصيل يمكن أن يتحول إلى داعية للدين الحنيف بأخلاقه ومعاملته.
فسلام الله وصلواته عليك يا سيدي يا رسول الله يوم ولدت ويوم اختارك الله إلى جواره ويوم تبعث حيا.

إبراهيم حسن إبراهيم

Wednesday, December 23, 2015

"موكب عزاء قرية الدير الموحد في ذكرى الأربعين ١٩٩٦م / ١٤١٧هـ "

"ذكرى الأربعين"
"موكب عزاء قرية الدير الموحد في ذكرى الأربعين ١٩٩٦م / ١٤١٧هـ "

تصوير الشهيد زكريا العشيري 

بقلم : إبراهيم حسن إبراهيم صالح
" الدير "

” أمواج بشرية تثلج صدر الحسين - ع - وتغيض اﻷعداء . فمتى نعي الدرس ونأخذ العبرة ؟؟!! إنها الكيانات الكبيرة لها  جاذبية قوية لجذب الكثير من اﻷعضاء وجعلهم يذوبون فيها وينصهرون معها ، كقطع المغناطيس كلما زاد حجمها زادت جاذبيتها أما لو فتتها لقطع صغيرة فإن جاذبيتها تضعف وتصبح غير قادرة على جذب أكثر من بعض برادة الحديد القريبة منها . وهكذا هي الكيانات المجهرية الضعيفة تنفر اﻵخرين وهذا واحد من أسباب كثرة المتفرجين على الموكب على جانبي الطريق !!!
سألني أحد اﻷخوة  في مجموعة الدير  " 1 " ما هو الحل لعﻻج وضع الموكب المتردي ؟ فأجبته قائلا : أقترح أن يخلو كل واحد منا مع نفسه ويسأل : هل ثار اﻹمام الحسين - ع - وقام بنهضته المباركة وقدم تلك التضحيات الجسام  لنتفرق ونتمزق ونتفتت ؟؟ !! ولﻷسف الشديد باسم اﻹمام الحسين - ع - !! ولنطرح على أنفسنا سؤاﻻ آخر : هل في رسالة اﻹسﻻم ما يدعو للتفرق ويحث على التشتت؟ أم العكس فالكتاب والسنة وتوجيهات أهل البيت - ع - كلها تحث على نظم اﻷمر ووحدة الكلمة ورص الصف كالبنيان المرصوص . حتى في الصﻻة ، كلما زاد العدد زاد اﻷجر والثواب وكلما كان المسجد أكبر صارت الصﻻة فيه أفضل . إن المسألة من البديهيات يدركها حتى طﻻب المرحلة الابتدائية الذين تعودوا على أهمية الوقوف في صفوف منظمة وفي ساحة طابور واحدة، وليس كل طالب على مزاجه ! أو كل مجموعة حسب ما تشتهي !
في النهاية إذا تخلى كل واحد منا عن أنانيته وتخلى  البعض عن حب الزعامة وأدرك الجميع بأن الموكب بالتعريف البسيط هو عبارة عن تشييع رمزي أو جنازة رمزية للمعصوم الذي لم ندرك زمان استشهاده فإن وضع الموكب سيتغير ويعود وحدة متكاملة .
ونحن  بهذا التشييع الرمزي نبدي حزننا وأسانا على فقد الإمام ونبرز جانبا من مناقبه وفضائلة وتوجيهاته لنأخذ منها الدرس والعبرة ونعكسها على واقعنا وسلوكياتنا فكلما كانت هذه الجنازة الرمزية " الموكب " تسير في سكينة ووقار - كما هو الحال فيما ينبغي في تشييع الجنائز - كان ذلك أقرب إلى توجيهات اﻹسﻻم .
والعجيب أننا نتوحد في تشييع جنازة أي مؤمن وكلما كانت مكانته كبيرة ومنزلته رفيعة - عالما كان أو شهيدا - كانت اﻷعداد غفيرة والجمو ع كبيرة و  متراصة !! وإذا تعلق اﻷمر بالمعصومين - ع - تفر قنا وتمزقنا !!! فهل المعصومون - ع - أقل شأنا وأدنى منزلة في نظرنا من عامة المسلمين؟؟!!!
ولو سألت أي أخ ممن يرون أن قوة الموكب في تعدد حلقه؛ أي كلما زادت عدد الحلق زاد الموكب قوة وهيبة ومكانة - في عيون اﻵخرين من موالين أو مخالفين - !! وعلى هذا المقياس إذا صارت اﻷربع حلق  ثماني حلق كان ذلك أفضل والثماني تصبح ست عشرة حلقة فذلك ممتاز وهكذا ...متوالية حسابية إلى أن يأتي يوم يقوم كل واحد بشراء مكبر صوت ويخرج لوحده ويسمي نفسه موكبا !!! فإنك ستسمع أعذارا واهية وحججا ضعيفة ؛ فمرة بحجة الوقت ومرة عن اﻷلحان ومرة عن ( الدكات ) وكل يغني على ليلاه!!!!!!
في الختام ﻻزال اﻷمل قائما وخاصة وسط هذه الظروف الحالكة التي تعيشها الطائفة واﻷخطار المحدقة بنا من كل جانب ، فلنقدم المصلحة العامة على مصالحنا الضيقة.       
أسال الله الهداية والتوفيق للجميع إنه سميع مجيب .

" أبو صادق "


السبت 22 من شهر صفر 1436 هـ الموافق 5 من شهر ديسمبر 2015 م

Wednesday, December 2, 2015

سفينة النجاة من نحر الحسين”ع“ إلى باب الجنة

"ذكرى الأربعين"
"لبيك يا حسين"
"سفينة النجاة من نحر الحسين”ع“ إلى باب الجنة"

بقلم : إبراهيم حسن إبراهيم صالح
" الدير "

    ” حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل “صدق الله العلي العظيم – سورة هود الأية 40.

سفينة نوح - ع - أعدت لنجاة عدد محدود من البشر وبرفقتهم عدد من الحيوانات والنباتات. ويروى أن عددهم كان ثمانين فردا بين ذكر وأنثى وقد بقيت السفينة على ظهر الطوفان 150 يوما إلى أن جفت الأرض واستقرت السفينة على جبل (الجودي) لينتهي دور تلك السفينة ولتصبح جزءا من التاريخ الذي مرت عليه آلاف السنين.

وفار الدم من نحر الحسين -ع - ونحور أصحابه وأهل بيته في يوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61 هجرية لتنطلق سفينة الحسين - ع - سفينة النجاة بلا توقف، هدفها رفع راية الإسلام المحمدي الأصيل ومجابهة الظلم والجور ونشر مبادئ العدالة والعزة والكرامة.

ركابها لا حدود لعددهم فهي لكل راغب في النجاة في كل زمان ومكان، ومجال حركتها من الطف إلى باب الجنة.

إن أول الراكبين في هذه السفينة هم أهل بيته وأصحابه – ع – لتنطلق برفقة موكب النور والجلال بقيادة الإمام السجاد - ع - وعقيلة الطالبيين - ع - مع بقية النساء والأطفال من كربلاء إلى الكوفة إلى شمال العراق إلى سوريا ولبنان ثم دمشق ثم العودة إلى أرض الطف لتكتمل الدورة بعد أربعين يوما في العشرين من شهر صفر سنة 61 هجرية لتجديد الحزن عند قبور الأحبة. ولتستمر هذه السفينة المباركة في انطلاقتها مختزلة كل هجرات الأنبياء والمرسلين من آدم – ع – إلى الرسول الأكرم سيدنا محمد - ص – ومتوجة كل جهودهم عبر التاريخ لنشر تعاليم الخالق - جلَّ وعلا -.

وها هو عمر سفينة النجاة قد أكمل 1375 عاما قمريا ولا تزال منطلقة لا تحدها حدود ولا تمنعها قيود مساحتها في اتساع وركابها في ازدياد عاما بعد عام رغم كل الجهود الإجرامية الرامية إلى إيقافها واعتراض طريقها ومنع المؤمنين من ركوبها.

وها هي مبادئ ثورة الإمام الحسين - ع – ونهضته المباركة وتعاليم مدرسة أهل البيت – ع – تدخل إلى كل بيت وتغشى كل أسرة وترافق كل فرد في هذا الزمان الذي كشفت فيه وسائل الإعلام ومواقع التواصل كل الحجب وأزالت جميع الأستار، ولم تعد مجدية تلك الأساليب العتيقة البائسة والمتخلفة من صدها ومنع مسيرتها.

إن لثورة الإمام الحسين – ع – الفضل الكبير في إقبال الكثيرين على الانتماء لمذهب أهل البيت – ع – في مختلف بقاع المعمورة الأمر الذي شكل قلقا وهما وألما يقض مضاجع أعداء أهل البيت – ع – وإن هذه الملايين المتدفقة والميممة شطر كربلاء المقدسة سرقت النوم من عيون أتباع المعسكر الأموي، إنه نور الله الذي لا تطفئه نفخة حاقد ولا نفثة جاحد.

إنه زحف ملايين المؤمنين من عشاق الحسين – ع - المسرعين للركوب بسفينة النجاة إنها زيارة الأربعين التي بدأت بزيارة خائف مترقب – الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري ورفيقه عطية العوفي – قبل 1375 عاما.

(إن للحسين – ع – في قلوب المؤمنين معرفة مكتوبة. وإن لقتل الحسين – ع – في قلوب المؤمنين حرارة لا تبرد أبدا)

الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك وأناخت برحلك وعلى ملائكة الله الحافين بحرمك المستغفرين لزوارك رزقنا الله في الدنيا زيارتكم وفي الآخرة شفاعتكم ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم والسلام عليكم ساداتي وموالي جميعا ورحمة الله وبركاته.

الأربعاء 19 من شهر صفر 1437 هـ الموافق 2 من شهر ديسمبر 2015 م

Saturday, November 7, 2015

في ذكرى استشهاده: اﻹمام السجاد " عليه السلام " الرحمة الواسعة من رحم الفاجعة

 في ذكرى استشهاده:
امام السجاد " عليه السلام "
الرحمة الواسعة من رحم الفاجعة

بقلم: إبراهيم حسن إبراهيم صالح.  الدير
الولادة: الخامس من شهر شعبان سنة 38هـ
الشهادة: الخامس والعشرين من شهر محرم سنة 95هـ.   
           هذا الذي تعرف البطحاء وطأته                                          والبيت يعرفه والحل والحرم 
           هذا ابن خير عباد الله كلهم                                               هذا التقي النقي الطاهر العلم
                                                                                                                        " الفرزدق "
في إحدى المناطق العراقية هاجم قطيع من القتلة الدواعش أحد البيوت وقاموا بحشر جميع أفراده في الصالة وهم اﻷب و الأم وأربعة من الأبناء بينهم طفل رضيع و ثلاث بنات، ثم قام القتلة بأخذ اﻷب وأبنائه الثلاثة إلى جانب من الصالة وأمام أعين الأم وبناتها المرعوبات قاموا بذبحهم كما تذبح الخراف وفصلوا الرؤوس عن الأجساد لتتلطخ أرض الصالة بدمائهم.  وفي غمرة عويل الأم وبناتها انقض أحد الذئاب على الطفل الرضيع وانتزعه من بين يدي والدته المصدومة ثم قام بذبحه كما يذبح الطائر وألقى بجثته على صدر أبيه!!!!!! 
تفرقت الوحوش في غرف البيت لسرقة ما يطيب لهم ثم قاموا بسحب الأم وبناتها كغنائم، وقبل المغادرة – واستكمالا لجريمتهم البشعة - قاموا بإشعال النار في البيت!!!! ويشاء القدر أن ينجو أحد الأبناء وعمره ثمانية عشر عاما من هذه المذبحة البشعة حيث كان مختبئا في إحدى الزوايا يراهم من حيث ﻻ يرونه ليتمكن من الفرار من خلال باب صغير خلف المطبخ قبل أن تصل إليه النار ليصل بعد ذلك إلى أحد بيوت أقربائه ليروي فصول هذه الجريمة النكراء التي تتكرر صورها كل يوم على أيدي نسخ ممسوخة من حرملة والشمر بن ذي الجوشن " عليهم لعائن الله".
يقول علماء النفس والأطباء النفسيون: إن من ترتكب أمامه مثل هذه الجريمة وبأفراد أسرته سيصاب بصدمة عصبية عنيفة مع اكتئاب شديد قد يصل به الحال إلى الانتحار، وقد يصاب بانفصام في الشخصية " مرض عقلي " إذا توافر العامل الوراثي. كما يصاب هذا الشخص بميل للعزلة ورغبة في الانتقام - إلا من رحم الله -. كل هذه الصور من البشاعات والجرائم النكراء بتفاصيلها وما هو أشد وأبشع منها شهدها الإمام السجاد "عليه السلام " في فاجعة كربلاء يوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61ه.
إنها أبشع المجازر التي عرفتها البشرية اقترفها الأمويون بحق الإمام الحسين " عليه السلام " وأهل بيته وأصحابه وعائلته المقدسة من نساء وأطفال.  لقد شهد الإمام السجاد " عليه السلام " فصول هذه الفاجعة؛ من نفاد الماء من المخيمات إلى سقوط أول شهيد إلى ذبح الطفل الرضيع من الوريد إلى الوريد إلى وحدة أبيه بلا ناصر و ﻻ معين ثم استشهاده وحز رأسه و وطء جسده الطاهر بالخيول الأعوجية ثم سلب النساء و حرق الخيام وفرار النساء والأطفال على وجوههم في البيداء ثم السبي وما أدراك ما السبي؟ مع ما له من دور إعلامي عظيم أسهم في نشر أخبار هذه الفاجعة وحفظ تفاصيلها وفضح الحكم الأموي بإبراز جرائمه أمام الرأي العام وكشف زيفه وأكاذيبه من خلال خطب الإمام السجاد " عليه السلام " وخطب العقيلة السيدة زينب " عليها السلام “.  إلا أن دخول النساء والأطفال لمجلس يزيد ترك جرحا عميقا في قلب الإمام "عليه السلام" تحسه من خلال الحوار الذي دار بين أبي حمزة الثمالي واﻹمام السجاد " عليه السلام “عندما عاتبه أبو حمزة على كثرة البكاء.  وخير من جسد هذا الحوار وأبرز مشاعر الإمام وألمه الشاعر العملاق والخطيب الكبير الملا عطية الجمري "عليه رحمة الله " في إحدى قصائده المؤثرة.
مع كل تلك المعاناة والمآسي إلا أن الإمام السجاد " عليه السلام " قد تسامى على كل الجراحات والآلام ليصبح فيضا من الرحمة ونهرا من المحبة والشفقة حتى مع ألد الأعداء وأشدهم بغضا ونصبا لأهل البيت " ع " وهو مروان بن الحكم عندما لجأ إليه ليكفل عائلته أثنا ثورة المدينة على الحكم الأموي حيث قام الإمام " ع " بضم عائلة مروان إلى عائلته ليلقوا أحسن المعاملة. إنه القلب الكبير الخالي من الحقد والرغبة في الانتقام مع توافر الفرصة.
من رحم هذه المعاناة لهذا الإمام العظيم جاءت هذه التحفة الحقوقية التي سبق بها الإمام "ع" كل المنظمات الحقوقية في العالم إنها "رسالة الحقوق ". ومن كبد الألم والجراحات والصبر على النوائب والرضا بقضاء الله جاءت "الصحيفة السجادية" وما تحمله من غذاء روحي يسمو بالنفس البشرية لتنعتق من أغلال الدنيا ومفاتنها وترتقي في مدارج الكمال والقرب من الله " جل وعلا ". من شدة الإحساس بآلام الآخرين ومعاناتهم والرغبة في إسعادهم وضع الإمام " ع " برنامجا لتحرير العبيد بعد شرائهم ثم رعايتهم وتعليمهم ثم عتقهم ومنح كل واحد منهم مبلغا من المال ليبدأ به حياة كريمة ويكون واحدا من الدعاة لمدرسة أهل البيت " ع “.
إنه صاحب الجراب الذي كان يطوف به في ظلمة الليل على بيوت الفقراء والمساكين ليمدهم بالطعام دون أن يعرفوا شخصيته إلا بعد شهادته " ع " بل إن بعضهم كانوا ينالون منه ويتهجمون عليه في مجالسهم.!!! وكان عليه السلام يقف على القدور بعد أن يجهز الطعام ليأمر بأن يغرف الطعام لبيت فلان وبيت فلان وخاصة الأرامل والأيتام. وعندما ينتهي من كل ذلك يجلس مع الخدم ليتناول معهم الطعام.  وفي ظل القمع الأموي ﻻ ينسى الإمام "ع"  فاجعة الطف وتذكير المجتمع بما حصل فيها بصور وطرائق مختلفة ، كما كان " سلام الله عليه " يولي طلابه ومريديه اهتماما كبيرا بتزويدهم من فيض علمه ومعرفته.
إنها مدرسة كربلاء إنها العصمة والتربية المحمدية والبيت الطاهر كل أولئك أنجبوا زين العابدين وسيد الساجدين الإمام علي بن الحسين " عليه السلام " إنه الرحمة الواسعة من بطن الفاجعة.
 فسلام الله عليك يا سيدي ومولاي يا أبا محمد يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.

السبت 24 من شهر محرم الحرام 1437ه.
مأجورين

"أبو صادق "

Thursday, October 15, 2015

حتى لا ننساهم - رجل من الزمن الجميل - المرحوم الحاج أحمد بن حجي علي

"حتى لا ننساهم"
"رجل من الزمن الجميل"
"المرحوم الحاج أحمد بن حجي علي"

بقلم إبراهيم حسن إبراهيم صالح - الدير

و نحن نعيش أجواء عاشوراء الحسين (ع) عاشوراء التضيحة والفداء، لا بد ان نتذكر رجالاً كانوا في يوم من الأيام بيننا ملئ السمع و البصر كان لهم حضور و بصمة و تأثير في المجتمع تركوا صفحات مليئة بالجد و العمل من أجل خدمة مجتمعهم و من هؤلاء المرحوم الحاج أحمد بن الحاج علي بن محمد علي بن يوسف الجزيري.

ولد المرحوم في بيت على ساحل البحر بقرية الدير قرب مأتم محمد علي يحده من الشمال ما يسمى بـ(بلط محمد علي – "كاسر أمواج") قبل سنة الطبعة بثلاثة أعوام في عام 1922م و هو الإبن الثاني للوجيه الحاج علي بن محمد علي الذي تولى قيادة مأتم محمد علي بوصية من والده المرحوم الحاج محمد علي حتى الثلاثينيات من القرن الماضي ثم تناوب بعد ذلك على رعاية المأتم و قيادته أخواه المرحوم الحاج يوسف ثم المرحوم الحاج عيسى. في تلك الفترة كان المأتم محل مأتم النساء الحالي.

و قد اهتم والده بتعليمه القرآن الكريم بالإضافة إلى تواجده الدائم إلى جواره للخدمه في المأتم و كان والده المرحوم الحاج علي يتمتع بصوت جميل شجي عندما يقرأ الحديث في المأتم لقد سمعت ذلك من والدي المرحوم الحاج حسن بن إبراهيم بن صالح و من خالي المرحوم الحاج علي بن عبدالله بن علي بن سلطان.

و لما اشتد عود المرحوم الحاج أحمد عمل في البحر كالكثيرين من أهالي الدير في قارب شراعي يساعده أخوه من الأم المرحوم الحاج حسين بن حجي محمد. كما هو معروف بين أهل القرية و في الأوراق الرسمية أسمه الحاج حسن.

تولى المرحوم الحاج أحمد بن حجي علي قيادة ماتم محمد علي بعد وفاة عمه المرحوم الحاج عيسى بن محمد علي عام 1953م و عمره آن ذاك 31 عاماً بناءا على وصية من عمه الذي توسم فيه القدرة و الكفاءة على قيادة هذا المأتم . و قبل بداية الخمسينيات من القرن الماضي كان قد تم بناء المأتم الكبير في موقعه الحالي و كانت ارضيته من الرمل و له بابان أحدهما من جهة الجنوب و الآخر من جهة الشرق و كان المنبر من جهة الشمال و كانت حلق العزاء تخرج من الباب الجنوبي و عند العودة تدخل من الباب الشرقي.

و من أبرز الخطباء الذين إرتقوا المنبر لمأتم محمد علي في فترة تولي المرحوم الحاج أحمد لشؤون المأتم؛ الخطيب الشاعر المرحوم ملا عطية الجمري و المرحوم ملا يوسف بن الملا عطية و المرحوم الحاج محمد صالح بن ملا عطية.

و في عام 1963م تولى المرحوم الحاج أحمد بن حجي علي بشكلٍ رسمي قيادة المأتم و في هذا العام تعاقد مع المرحوم شيخ عبدالله السِمّيَن (الإحسائي) بالإتفاق مع المرحوم الحاج ميرزا التحو رئيس مأتم الإحسائيين. و هذا التعاقد مع المرحوم الشيخ السِمّيَن نقل المأتم نقلة نوعية فقد كان خطيبا مميزا درس في البداية في كلية البترول و المعادن في الظهران ثم تحول إلى الدراسة الحوزويةفي النجف الأشرف و بقي يقرأ في المأتم على مدى 14 عاماً حتى عام 1977م و لا زالت الأجيال التي عاصرت تلك الفترة تتذكر ذلك الخطيب رحمه الله و اسكنه فسيح جناته.

و في عام 1969م تم الشروع في إعادة بناء المأتم للمرة الثانية الذي كانت أرضيته من الرمل. و من الخطباء الذين إرتقوا المنبر في المأتم خلال فترة تولي المرحوم الحاج أحمد قيادته بالإضافة إلى من ذكرناهم سابقا المرحوم الشيخ السويچي والمرحوم الشيخ علي  النچاس و المرحوم الشيخ حسن القيسي و المرحوم الشيخ أحمد مال الله و المرحوم الشيخ حسن الباقري و المرحوم الشيخ ميرزا الكراني و المرحوم ملا محمد علي الناصري (الصفار) و بعض هؤلاء الخطباء عن طريق مجموعة العادة الإسبوعية و التي شكلت نواة تأسيس مأتم الهادي (ع) 1987م.

و على الرغم من مشقة العمل في البحر و كثرة متطلباته من "دشه" و بيع السمك و صنعة القراقير و الحشيش  والتقريب " تقريب القارب من الساحل "  والدفاع " إبعاد القارب عن الساحل "  والمسافة تساوي قرابة 2 كيلو متر .  و صيانته  الدورية (الݘلْفَة)  إلا أن ذلك كله  لم يمنعه  - رحمه الله -  من القيام بأعباء المأتم خير قيام. و الجدير بالذكر ان المرحوم قد ترك العمل في البحر و اتجه إلى بيع الأسماك بالسوق في ثمانينيات القرن الماضي بعد وفاة اخيه و ضعف الصيد. و لقد تميزت فترة رئاسة المرحوم الحاج أحمد بن حجي علي للمأتم بسطوع نجمه فهو المأتم الكبير و مركز القرية و منطلق مواكب العزاء كما كان المأتم طيلة تلك الفترة يزخر بالنشاطات و الفعاليات و على رأسها الإحتفالات الدينية التي تتذكرها الأجيال التي عاصرت تلك الفترة الجميلة، كما فعّل - رحمه الله – دور المأتم بالمجتمع بإحتضانه للتعليم الديني الذي تحول فيما بعد إلى (مشروع الإرشاد الديني) و على الرغم من الضغوطات الأمنية التي تعرض لها رحمه الله إلا أنه عض عليه بنواجذه و لم يفرط فيه قيد أنمله، إستمر على هذا النهج سائرا على خطى أسلافه في هذا المأتم المبارك الذين حموا تراث الإمام الحسين (ع) و حافظوا عليه.

من الأمور التي تتذكرها الأجيال التي عايشت تلك الفترة ان تناول وجبة العشاء تتم في بيت المرحوم الحاج أحمد و بعض البيوت القريبة مثل بيت المرحوم الحاج إبراهيم بن محمد الخضار .  و في ذلك الوقت كان العزام يدور على بيوت القرية مع بداية شهر محرم الحرام ليعلن الدعوة عامة طيلة ليالي عشرة محرم ،  و الجدير بالذكر ان الطباخات ديريات و اللحم عربي و الطبخة ثابتة (مچبوس).

و على الرغم من ضعف الإمكانيات المادية لأفراد المجتمع في ذلك الوقت إلا أن النفوس كانت كريمة و سخية في ما يتعلق بالإنفاق على شعائر أهل البيت عليهم السلام.

و مما تميز به المرحوم الحاج أحمد بن حجي علي إصراره على ان يتعلم القرآءة و الكتابة عن طريق محو الأمية بالرغم من كثرة  مشاغله و مسؤلياته و هذا نادرا ما يحصل لمن هم في مثل سنه.

إستمر المرحوم الحاج أحمد بن حجي علي بقيادة المأتم مدة 36 عاما حتى عام 1989م  و بمغادرته لرئاسة المأتم خرج معه الموكب إلى الشارع و غادر مشروع التعليم الديني المأتم ليبحث عن مكان آخر يحتضنه.

قبل الختام:

يقول المرحوم الحاج يوسف بن مهدي أن أشبه أحفاد المرحوم الحاج علي بن محمد علي به هو الحاج يوسف أحمد علي (أبو محمد) و قد ذكر هذا القول مرات كثيرة تلك شهادة تتعلق بملامحه الجسدية و أنا أضيف إلى قول المرحوم الحاج يوسف شهادة تتعلق بملامح شخصيته أسجلها في هذه السطور:  بأن الأخ يوسف أحمد علي جدير بأن يتولى قيادة هذا المأتم العريق –مستقبلا- كما كان جده و أبوه لما يتمتع به من خُلق رفيع و حضور إجتماعي كبير و حب للعمل التطوعي و إنفتاح على مؤسسات المجتمع و شرائحه و مشاركة دائمة لكل الفعاليات و حب للمساعدة كما ان لديه علاقات واسعة مع معظم خطباء البحرين و له تواصل دائم مع الأوقاف بحكم متابعته ﻻحتياجات المساجد أو فيما يتعلق ببعض أمور المأتم.

وفاة المرحوم الحاج أحمد:

أنتقل المرحوم الحاج أحمد بن حجي علي بن محمد علي إلى جوار ربه عصر يوم الخميس الموافق 22 -8-1996م عن عمر ناهز 74 عاما قضاها في خدمة الإمام الحسين عليه السلام و أهل البيت الكرام عليهم السلام مخلفا وراءه كوكبة من الأولاد أجهد نفسه في تعليمهم و تربيتهم. و هم السادة المحترمين الأستاذ عبدالله و أخوته علي، و جعفر و يوسف، و عبدالحسن و إبراهيم و أختين كريمتين.

رحم الله خادم الإمام الحسين عليه السلام الحاج أحمد بن حجي علي و تغمده بواسع رحمته و أسكنه الفسيح من جنته مع محمد و آهل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

-الفاتحة-


الشكر و التقدير لكل من أمدني  بالمعلومات التي شكلت أساسا مهما لهذا الموضوع.


الخميس الأول من شهر محرم الحرام 1437 هـ و الموافق 15 من شهر أكتوبر 2015م

"
أبو صادق"


ملاحظة: نسخة مزيدة.

Sunday, September 13, 2015

الدير والطب البديل

"الدير والطب البديل"

بقلم: إبراهيم حسن إبراهيم صالح –الدير

 لعب الطب العربي دوراً كبيراً ولازال في علاج الكثير من الأمراض على مستوى العالم وقد وصل الى أوج ازدهاره إبان سطوع نجم الحضارة الإسلامية حيث برزت أسماء لامعة في هذا المجال ومن أبرزها وألمعها الشيخ الرئيس ابن سيناء صاحب كتاب ((القانون في الطب)) وقد كان الطب العربي أو ما يسمى في وقتنا الحاضر بالطب البديل هو الأساس الذي بنت عليه أوروبا تطورها في مجال الطب الحديث وعبر تعاقب القرون وفي كل زمان ومكان لمعت أسماء ذاع صيتها وسط مجتمعاتها كأطباء لعلاج الكثير من الأمراض في حدود خبراتهم وإمكاناتهم.

(بيت بنت مَدَن)

و (مَدَنْ) تعني المقيم في المكان أو الساكن الذي يعمر المكان. (المصادر: 1-لسان العرب، 2- القاموس المحيط)
 ويشاء القدر أن يبرز اسم قرية الدير على خارطة الطب العربي في البحرين هذه القرية الرابضة على شاطئ البحر شمال جزيرة المحرق أو جزيرة سماهيج، كما كانت تعرف سابقا هذه القرية التي ارتبط اسمها بمسجد الراهب والذي كان ديراً قبل الإسلام كما ارتبط اسمها باستخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك وارتبط اسم الدير ببيت بنت مدن كمركز لعلاج كثير من الأمراض وفي مقدمتها علاج الكسور. حيث ذاع صيت هذا البيت على مستوى البحرين بأكملها ومنذ أن وعيت على الدنيا في مطلع الخمسينيات كان بيتنا محجة لطالبي العلاج من داخل القرية ومن خارجها منذ الصباح وحتى المساء. وكانت جدتي المرحومة مدينة بنت محمد بن مدن بن عيسى هي الأبرز في هذا المجال. ولدت رحمها الله في حدود عام 1900م في بيت بسيط ككل البيوت في فريق الراهب ووالدتها هي المرحومة خديجة بنت علي بن محمد النصوح ولقد تعلمت العلاج على يد والدها محمد بن مدن والذي ورثه عن أبيه عن جده. كانت رحمها الله لصيقة بوالدها لا تفارقه أينما حل و ارتحل حتى أطلق عليها لقب ((صْبَي مَدَن)) وكان لجدتي أخ اسمه عبد المحسن كان مشهورا بعلاج أمراض البطن ((الجهاز الهضمي)) ومن أشهرها ما كان يطلق عليه ((النفوس)) وهي الغازات التي تتجمع في المعدة أو الأمعاء إلا أن عبد المحسن (رحمه
الله) لم يعمر طويلا حيث توفي في أربعينيات القرن الماضي وكان لجدتي أخت أكبر منها واسمها فاطمة تزوجها المرحوم الحاج حماد بن أحمد بن حماد إلا أنها لم تتعلم شيئاً من الطب العربي وتوفيت قبل جدتي بفترة طويلة، وكانت المرحومة بنت مدن بالإضافة إلى براعتها في علاج الكسور كانت قابلة متميزة وكانت تقضي الكثير من الليالي خارج البيت حيث كانت تلازم النساء حديثات الوضع بل كانت تمكث بعض الأيام خارج الدير إما في سماهيج أو عراد أو المحرق وأحيانا في المنامة. ولقد رافقتها عندما كنت طفلا في العديد من زياراتها خارج الدير ولا زلت أتذكر زيارتنا لبيت المرحوم الحاج عباس كازروني في المنامة في حدود سنة 1955م وهو تاجر مواد غذائية حيث بتنا هناك وفي الصباح أهدوني كلباً من المطاط. وبسبب شهرتها وتقديراً وإعجاباً بمهاراتها الطبية أطلق عليها المرحوم الحاج عبدالله بن عيسى الحمر لقب ((أمريكن)) نسبة الى المستشفى الامريكي في البحرين ولقد حباها الخالق - جل وعلا - بنية جسدية قوية فكانت لها قبضة حديدية كما كانت تتمتع بالشجاعة وجسارة القلب فما كان يهمها بكاء المريض وصراخه مهما علا (وهذا أمر مهم بالنسبة للطبيب) لأنه يهتم بمصلحة المريض أولاً وقبل كل شيء. فكانت - رحمها الله- تضطر أحياناً لكسر العظم السليم في اليد كي تجعل العظمين في استقامة واحدة. وكانت - رحمها الله - عندما تقوم بالإشراف على ولادة أي امرأة تبقى تتابع حالتها حتى تتجاوز الأربعين يوما وبالمصطلح الشعبي ((تطلع من الأربعين)) وعندما تكون هذه المرأة لاعون لها من أهل أو صديقات تقوم هي بنفسها بإعداد العصيد لها ((وهو طعام يعد
للمرأة عندما تلد)) وهو عبارة عن دقيق يطبخ ويوضع عليه دهن البقر مع نوع خاص من البهارات يطلق عليه ((محررات)) وهو مكون من:(فلفل أسود – جلجلان – سنوت – كركم – زنجبيل – دارسين – قرص القمر – حبة البركة – رشاد – نبات). كما يتم

توزيع صحون العصيد على الأهل والجيران والأصدقاء وهم بالمقابل يقدمون البيض، حيث كان متوفراً في كل بيت. ومن الأشياء التي كانت تقوم بها -رحمها الله - بالنسبة للمرأة النفساء وضع قطع من الملح بيضاوية الشكل بحجم بيضه الحمامة في فرج المرأة وهذه القطع تقوم بدور المطهر (المعقم) وعندما تقترب المرأة من نهاية فترة النفاس تقوم -رحمها الله- بمريختها أي تدليك جسدها بالدهن وهي كلمة عربية فصيحة، ويتم التركيز في هذه العملية على البطن وبالأخص منطقة الحوض وهذه العملية تعيد الرحم لوضعه الطبيعي حيث تكون المرأة مهيأة للحمل مرة أخرى. ومن الأمور التي امتازت بها جدتي -رحمها الله- الكرم فهي مع كونها الطبيبة المعالجة إلا أنها كانت تعتبر المرضى ضيوفا لديها وكانت تقدم لهم ما يسمى بالقدوع وهو مكون من عدة أصناف، ولم تكن -رحمها الله- تطلب من أي مريض أو مريضة أجرة وما يقدم لها من مال تقابله بعبارة أنعم الله دون أن تنظر إليه أو تعده. رحم الله تلك الأيام، اليوم إذا دخل أحدنا إلى عيادة طبيب خاص لا يخرج إلا بعد أن تخلوا محفظته مما فيها من نقود!!!. ومن الأمور التي لازلت أتذكرها ذلك الصندوق البمباوي ((هي صناديق مصنوعة من التنك تجلب من الهند عليها رسومات نباتية زاهية الألوان)). كانت -رحمها الله - تضع فيه أنواع من البسكوت وعلب الأناناس والخوخ الذي يقدم لزوارها من طالبي العلاج وكانت تضعه تحت السجم ((السرير)) في الكوخ الذي كانت تسكن فيه.  ومن غرائب الصدف أنها رحمها الله كانت قد زرعت سدرة في القسم الجنوبي من البيت عندما كانت طفلة وبقيت هذه السدرة وارفة الظلال مثمرة وكثيرا ما جلس تحت ظلالها الرجال والنساء انتظارا للعلاج ، هذه السدرة ماتت في نفس العام الذي انتقلت فيه جدتي المرحومة مدينة بنت محمد بن مدن بن عيسى إلى جوار ربها وهو اليوم السابع والعشرون من شهر شعبان سنة 1389هــ الموافق الثامن من نوفمبر سنة 1969م عن عمر قارب السابعة والستين عاما أو تجاوزها لتطوى آخر صفحة في سجل امرأة نذرت نفسها لخدمة مجتمعها الصغير ووطنها الكبير تاركة خلفها تاريخا عطرا تتوارثه الأجيال وبصمات بارزة لم يخل منها بيت من بيوت الدير وكثير من بيوت البحرين. رحمك الله يا جدتي العزيزة وأسكنك فسيح جناته مع محمد المصطفى(ص) وآله الاطهار (ع).

 "والدي المرحوم الحاج حسن بن ابراهيم بن صالح"

في يوم من أيام عام 1921م أو 1922م رزقت عائلة المرحوم ابراهيم بن صالح بن سالم بمولود ذكر يبدو من مخايله أنه سيكون طويل القامة قوي البنية يميل لونه الى السمرة وهو اللون الغالب على عائلة آل مدن حيث أن والدته هي المرحومة مدينة بنت محمد بن مدن بن عيسى. تاريخ ولادة الوالد في البطاقة السكانية عام 1918م إلا أنني رجحت عام 1921م أو 1922م لأنه – رحمه الله - قد ذكر لي أكثر من مرة أنه في سنة الطبعة والتي وقعت في يوم الجمعة الموافق 28 سبتمبر 1925م ذهب مع والدته إلى السيف بانتظار معرفة خبر والده إبراهيم بن صالح الذي كان في الغوص مع النوخذه الحاج حماد بن أحمد بن حماد وكان كما قال - رحمه الله - بلا ملابس تستر جسده ولو اعتمدت على تاريخ البطاقة وهو أنه مولود سنة 1918م يكون عمره سنة الطبعة سبع سنوات وابن سبع سنين
لا يمكن أن يخرج بلا ملابس. وعندما بلغ العاشرة من عمره اصطحبه والده إلى الغوص تَبَّاب على جالبوت بيت الحاج حماد بن أحمد ((والتباب بفتح التاء وتشديد الباء والجمع تبابة يخدم في السفينة ويتدرب على العمل في البحر والتباب ليس له سهم إنما يعطى إكرامية من النوخذه وبعض البحارة كما يبحث في المحار المغلق والمفتوح لجمع صغار اللؤلؤ (السحتيت) ويبيعها لحسابه[1].

كما يتدرب التباب على ما يقوم به الغاصة والسيوب من أعمال وقد يسمح له بالنزول إلى البحر وكثير من التبابة برزت لديهم مواهب وإمكانيات جعلت منهم رجالا بارزين يشار إليهم بالبنان على سفن الغوص. وكان الوالد - رحمه الله - قد لازم والدته وأحب هذه الصنعة فتشرب منها كل ما لديها من خبرة وما تقوم به من أعمال وما تصفه من أدوية لعلاج المرضى. وقد ذاع صيت الوالد - رحمه الله - في مختلف مناطق البحرين حتى أصبح بيتنا أشبه ما يكون بعيادة يقصدها المرضى من كل مكان وبالإضافة إلى براعة الوالد -رحمه الله - في علاج الكسور كان يعالج أمراضا أخرى مثل الليته وهي شد عضلي يصيب إحدى عضلات الظهر إما اليمنى أو اليسرى، وكذلك العقصة (العگصة باللهجة الدارجة) وهو ألم في إحدى الإليتين، كما كان - رحمه الله - يعالج عرق النسا بالكي وكذلك الانقطاع ويسمى باللهجة المحلية "النقطاع" ويطلق عليه حديثا (مرض المظلات) حيث يعجز المريض عن المشي أو ينقطع عن المشي ويتوقف ليستريح قليلا ثم يواصل سيره كما يعالج مرض أبو صفارة
"اليرقان" عن طريق شرب اللبن الحامض وكذلك طبخ عروق العاقول "الحيج" ويطلق عليه العاقول وشوك الجمال (ص1)  ثم شرب مائه مع كيتين خفيفتين إحداهما في خنصر الكف الأيمن والأخرى في خنصر الكف الأيسر. كما كان- رحمه الله - يعالج النفوس "الغازات" عن طريق المريخه كما كان يقوم بعلاج بعض الأورام والتي تتكون في أعلى العنق عن طريق الكي ويطلق عليها خنزيرة وكذلك الورم الذي يكون في الحالب ويطلق عليه "طلع" كما كان يعالج عن طريق الكي بعض الالتهابات التي تصيب بعض أصابع الكفين ويطلق عليها استضراب كما يعالج الغاصة الذي يصابون بلدغة من الدجاجة ويطلق عليها أيضاً السمكة المخططة والسمكة الفراشة والسمكة النارية والسمكة الأسد والسمكة الريشية (ص2)، و من يتعرض للدغة اللخمة (ص3) ، يقوم بكيه مكان الإصابة.
وبعد كي تلك الأورام وخروج ما فيها من صديد كان - رحمه الله - يضع مادة الخلتيت أو الحلتيت (ص4)، وهي مادة سوداء لزجة كريهة الرائحة (تستورد من الهند) يتم دسها داخل الورم ويعمل الخلتيت على التنظيف والتعقيم.
ومن الأدوية التي تلازم الوالد - رحمه الله- في العلاج (دهن البقر و شمع العسل) (ص6،5) ويستورد من تركيا وإيران والهند، و (ميم الكسر) (ص7) ويستورد من أفغانستان وروسيا ويقوم بمزجها ليضعها على العضو المكسور كما يضعها على قطع القماش الذي يلف به العضو المكسور وفي البدايات لم تكن هناك لفافات طبية فكان - رحمه الله- يستخدم ما حصل: إزار قديم أو غترة قديمة أو أجزاء من ثوب قديم ومن ضمن أدوات العلاج عدد من المسامير بأشكال مختلفة للكي (ص8)، وقطع من العصي أو الأخشاب الصغيرة متساوية الأحجام يتم ربطها بقطع من القماش لتشكل مايشبه الجبيرة وكان يطلق عليها غميلة وهي كلمة عربية فصيحة (ص9). والغميلة مجموعة من قطع الخشب أو العصي الصغيرة تربط بعضها مع بعض بقطع من القماش لتلف حول الذراع أو الرجل المكسورة بعد أن تلف بالقماش المغمى بدهن البقر وشمع العسل وميم الكسر حتى تجعل العظم المكسور ثابتا  ليتواصل التئامه ويجبر . جاء في المعاجم اللغوية: غمل غملا : التف وركب بعضه بعضا. غمل الشيء: ستره وأصلحه. و الغميل: المتراكب من النبات. (المصادر: 1- الصحاح في اللغة، 2-لسان العرب ، 3- القاموس المحيط).

وكان الوالد -رحمه الله - يشتري معظم الأدوات من دكان الحواج المرحوم الحاج عبدالله المخلوق في سوق المنامة. سار الوالد -رحمه الله- على نهج والدته في نكرانه لذاته واهتمامه بمرضاه دون طلب لمال أو حرص على ثروه وفي كثير من الأحيان كان يكتفي برحمة الوالدين وكان - رحمه الله - يتمتع بروح الدعابة فإذا جاءه شاب قد انكسرت يده أو رجله أثناء اللعب غالبا ما يبادره قائلا ((هاه إن شاء الله  بس سجلت كول)) كما كان - رحمه الله -  يتمتع بخبرة في علاج بعض الأمراض التي تصيب الحيوانات كالأغنام أو الخيول وكثيرا ما يتم استدعاؤه لبعض الاصطبلات لعلاج الخيول المصابة ومن الطرائف التي لا أنساها أن شخصا من البديع قد أصيب ولده بكسر في يده فجاء به الى   الوالد - رحمه الله - لعلاجه ولما شفي من الكسر أهدانا غنمة عربية مع حمل سيارة بيكب من التمر والشوار.

"الوجه الآخر للوالد المرحوم الحاج حسن بن إبراهيم بن صالح"

لكل شخصية وجهان وجه معروف ومشهور لدى الغالبية من أفراد المجتمع وقد تتعدى هذه الشهرة المجتمع المحلي، وهناك وجه آخر يعرف المقربون من الشخص جزءا منه وهناك جوانب لا يعرفها الا أقرب المقربين من أفراد الأسرة.
والوجه المعروف للوالد - رحمه الله - أنه طبيب عربي بارع وخاصة في مجال علاج الكسور، إلا أنَّ هناك وجه آخر متعدد الجوانب سأحاول تسليط الضوء عليه ولو بصورة مختصرة.

1) كان غيصا متميزا وقد دخل الغوص مع بيت جدي المرحوم الحاج حماد بن أحمد بن حماد فالوالد - رحمه الله - ارتبط بهذا البيت العريق لكونه متزوج من فاطمة بنت المرحوم الحاج عبدالله بن علي بن سلطان ((والدتي)) كما أن عماتي الأربع قد تزوجن في بيت الحاج حماد. وكان مقدما على السفينة وهي جالبوت يطلق عليها (الموتر) لسرعتها والمقدم أو (المقدمي) بالاصطلاح المحلي هو المسؤول عن جميع العاملين على ظهر السفينة أمام النوخذه وكان - رحمه الله - رباناً يعرف مفاصات اللؤلؤ وأماكن صيد الأسماك وقد سمعت هذه الأمور من الكثيرين ممن عاشروه
وزاملوه في الغوص.


2) بعد أن دالت دولة الغوص بعد ظهور النفط انتقل إلى العمل في البناء في المملكة العربية السعودية في ((الخبر)) ثم عاد إلى البحرين وعمل في نفس المهنة وقد بنى عددا من البيوت في الدير وبعضها لازال قائما حتى اليوم كما هو موضح في الصورة.
ثم عمل في المعسكرات البريطانية في البحرين متنقلا بين المحرق والجفير والهملة حتى استقلال البحرين في بداية السبعينات.
3) عمل في البحر ((صيد الأسماك)) مع بيت جدي الحاج حماد بن أحمد الى أن اشترينا سفينة صيد من الإمارات فترك العمل معهم، كما استأجر دكانا لبيع الخضروات في بداية الثمانينات قرب مدرسة عبد الرحمن الناصر بالمحرق ولم يمكث فيه طويلاً.
4) كان ماهرا جدا في صناعة فكوك القراقير وخاصة الكبيرة منها والفك (الفچ باللهجة الدارجة) هو المدخل الذي تدخل منه الأسماك
إلى بطن القرقور ولكنها لاتتمكن من الخروج.
5) كان - رحمه الله-  ماهراً في تفصيل الشرع ومفردها شراع وقد شهدت ذلك مرات عديدة في بيتنا حيث الأرض الرملية.
6) كان- رحمه الله - قارئا للقرآن، حفظه وهو في سن الطفولة وكان حريصا على تلاوته كل صباح بعد صلاة الفجر لم يترك هذه العادة حتى أقعده المرض في الفترة الأخيرة من حياته كما كان - رحمه الله - حريصا أشد الحرص على صلاة الليل.
7) كان - رحمه الله - يهتم كثيراً بالأوقات الشرعية فكان يحرص يومياً على الذهاب إلى الساحل لمطالعة الشمس وضبط الساعة على الثانية عشرة وهو مايعرف بالتوقيت العربي حيث إن الغروب موقوف على الساعة الثانية عشرة فإن تقدمت الساعة أُعيدت إلى الثانية عشرة وإن تأخرت أعيدت وفي الحقيقة فإن الشمس هي التي يتغير توقيت غروبها حسب فصول السنة وكان أذان المغرب دائما عند الساعة الثانية عشرة والربع صيفا أو شتاءا طال النهار أو قَصُر وكان لهذا التوقيت فائدة كبيرة في الاستفادة من الوقت في الليل، ولمراقبة الشمس عند الطلوع كان يذهب شرقي مزرعة رية أو على بلط نصر ((التينة))  والبلط هو كاسر الأمواج وتقع التينة شرقي مقبرة الدير،  وكان يرافقه المرحوم الحاج علي بن حسن ((أبو مكي)) مؤذن الراهب.
8) كان - رحمه الله - خبيراً بالأنواء أو مطالع النجوم أو مايطلق عليه عند البحاحير الضربات وكان - رحمه الله - يحفظ هذه المطالع عن ظهر قلب ويعرف توزيعها على البوصلة ((الديرة)).
9) كان قائد حلقة في الموكب ((شيال)) أو رادود بمصطلح هذه الأيام وكان ترتيبها الثانية بعد حلقة المرحوم الحاج محمد باقر بن الحاج أحمد بن مهدي.
10) كان - رحمه الله - من المبادرين لتغسيل الموتى وكذلك حفر القبور.
11) كان حريصا على مطالعة الرسالة العملية ((كتاب السداد)) وفي عمود الدين الكتيب الذي ألفه المرحوم الشيخ ابراهيم آل مبارك.
12) كان - رحمه الله - صاحب خبرة بأنساب العوائل في الدير وصلة هذه العوائل بأهل سماهيج كما كان - رحمه الله - صاحب اطلاع ودراية بأمور التاريخ فلقد سمعت منه الكثير من الحوادث التاريخية في البحرين وخارجها ومن تلك الأحداث قصة خروج الملك عبد العزيز مع والده من الرياض ووصولهم إلى البحرين حتى قيام المملكة العربية السعودية وبالتفصيل الدقيق ولما كبرت وقرأت قصة قيام المملكة العربية السعودية وجدته مطابقا لما سمعته من الوالد - رحمه الله - ومن الأحداث التي سمعتها منه قصة الغزوات التي كانت تتعرض لها البحرين ومن أشهرها قصة العماني والمجزرة التي ارتكبها الغزاة في سماهيج في مصلى العيد وكذلك أحداث جزيرة النبيه صالح وقصة الشيخ محمد أبو رمانة وحادثة الطبعة وفتنة محرم في الخمسينات وموضوع هيئة العمل الوطني ((الهيئة)) وكذلك الخطباء الذين عرفتهم المنابر في الدير، لقد كان رحمه الله موسوعة تاريخية - وللأسف الشديد - لم نكن في تلك الفترة نهتم بهذه الأمور ولم نكن ندون الكثير مما نسمع.
13) ومن الأمور التي قد تبدو غريبة بالنسبة لشخص لديه كل هذه الاهتمامات هو موضوع الطبخ كان الوالد - رحمه الله - طباخاً ماهراً وكثيرا ما كان يعد لنا الطعام عندما تكون الوالده  - حفظها الله - مريضة أو في حالة وضع، ومن الأكلات التي لازلت أتذكرها  ((العقيلي)) وهو نوع من الكيك الذي كان - رحمه الله - يصنعه لنا في أيام الجمع. 
وكان - رحمه الله - عزيز النفس زاهدا في أمور الدنيا وبهرجها ولا أتذكر في يوم من الأيام سأل أحدنا عن الأمور المالية كعادة بعض الأباء الذين يدققون ويحققون في أمور رواتب أبنائهم.

"وترجل الفارس"

في اليوم الأول من شهر ربيع الأول سنة 1412هـ الموافق للعاشر من شهر أكتوبر سنة 1991م انتقل إلى رحمة الله تعالى الوالد العزيز الحاج حسن بن إبراهيم بن صالح عن عمر تجاوز السبعين عاما بقليل بسبب جلطة في المخ أدخلته في غيبوبة استمرت أسبوعا واحدا لقد عاش - رحمه الله - عاملاً مكافحاً في خدمة مجتمعه حتى آخر أيام حياته، لقد كان بالنسبة لنا الخيمة التي تظلنا والمشعل الذي أنار طريقنا كان - رحمه الله - رمزاً للقناعة ومثالاً رائعا لغنى النفس، غادر هذه الحياة الفانية تاركا خلفه ذكرا حسنا وتاريخا عطرا وخمسة من الأبناء وابنتين.
رحمك الله يا أبي وأسكنك فسيح جناته مع محمد (ص) وآله الطيبين الطاهرين إنه سميع مجيب.

عمتي الحاجة فاطمة بنت إبراهيم بن صالح "أم حماد"


هي أرملة المرحوم الحاج علي بن حماد بن أحمد وهي أصغر من والدي المرحوم الحاج حسن بن إبراهيم بن صالح، ولادتها في

حدود 1925م وهي أخت لثلاث بنات جمعيهن تزوجن في بيت المرحوم الحاج حماد بن أحمد بن حماد وقد توفاهن الله. نشأت الحاجة فاطمة في أحضان والدتها المرحومة مدينة بنت محمد بن مدن وهي كما أسلفت طبيبة عربية متميزة فتشربت منها هذه المهنة ولما أقعد المرض المرحومة والدتها برز نجمها وذاع صيتها وصارت مقصداً لطالبي العلاج واستمرت تمارس هذه المهنة حتى أقعدها المرض في السنوات الأخيرة حفظها الله ورعاها وأطال في عمرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كتاب تاريخ الغوص على اللؤلؤ ج1 للمؤلف سيف بن مرزوق الشملان منشورات دار ذات السلال دولة الكويت.


ملاحظة: هذا الموضوع موجود في كتاب "الدير سيرة ذاتية للدكتور علي أحمد هلال".