من الأرشيف
((في ذكرى مولد الحبيب
المصطفى (ص))
((مكارم أخلاق الرسول الأكرم (ص) وإسلام عدي بن حاتم الطائي))
((مكارم أخلاق الرسول الأكرم (ص) وإسلام عدي بن حاتم الطائي))
بقلم: إبراهيم حسن إبراهيم صالح
" الدير "
أيُّ بشرى كست الدنيا بهاءا
قم فهني الأرض فيها والسماءا
للمرحوم السيد حيدر الحلي
ونحن نعيش هذه الذكرى العطرة ذكرى ولادة رسول البشرية والرحمة
المهداة رمز الأخلاق العظيمة والأسوة الحسنة والقدوة العظمى والمثل الأعلى ذكرى
ولادة من شهد له الباري عز وجل في كتابه الكريم بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) الآية
4 من سورة القلم.
وأي شهادة أعظم من شهادة الخالق جل وعلى
وعندما اختاره الله سبحانه وتعالى وبعثه لتبليغ رسالته رفع صلى
الله عليه وآله شعارا لهذه البعثة بقوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
ولقد جسد الرسول الأكرم (ص) هذا الشعار عمليا في جميع مفاصل
وتفاصيل حياته الشريفة، لم ينفك عنه طرفة عين أبداً، ومن بوابة أخلاق الرسول الأعظم
(ص) دخل الكثير من الناس إلى حصن الإسلام ومن هؤلاء عدي بن حاتم الطائي والذي سنقف
عند قصة إسلامه في هذه العجالة.
غزا المسلمون قبيلة طي سنة 7 هجرية بقيادة الإمام علي (ع) وعادوا بالأسرى
وفيهم سفانة بنت حاتم الطائي حيث استقبلهم الرسول (ص) وفرش عليه وآله الصلاة
والسلام رداءه الشريف لسفانة تقديراً لمكانتها ومنزلتها في قومها، وعندها خاطبت
الرسول (ص) قائلة: (يا محمد إن رأيت أن تخلي عني فلا تشمت بي أحياء العرب فإني
ابنة سيد قومي وإن أبي كان يفك العاني ويحمي الذمار، ويقري الضيف ويشبع الجائع،
ويفرج عن المكروب، ويفشي السلام ويطعم الطعام ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم
الطائي). فرد الرسول (ص) قائلا: (يا جارية هذه صفة المؤمن حقاً، لو كان أبوك مسلماً
لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق).
ثم تم إخلاء سبيلها وجميع من معها وأعيد لهم ما أخذ منهم وأكرمها الرسول (ص) غاية
الإكرام فعادت إلى حيها وقد دخلت وقومها في الإسلام وأيقنت بأن هذا السلوك وهذه
الأخلاق لا تكون إلا للأنبياء.
وفي مضارب طي التقت مع أخيها عدي بعد عودته من الشام إذ لم يكن في
القبيلة عندما وصلها المسلمون وروت له ما شاهدته ولمسته من أخلاق النبي الأكرم (ص)
ومعاملته الكريمة، وأن هذه الأخلاق لا تكون إلا لنبي وحثته على التوجه للمدينة
المنورة للقاء الرسول (ص).
كان عدي بن حاتم الطائي من معدنٍ كريم فهو ابن أجود العرب وأكرمهم
وهو زعيم قومه بعد وفاة أبيه حاتم بن عبد الله الطائي وقبيلة طي من القبائل
العربية القحطانية التي نزحت من اليمن بعد انهيار سد مأرب ومنازلهم موقعها فيما
يعرف الآن بمنطقة حائل وموقعها شمال غرب مدينة الرياض على بعد 600 كيلو متر.
كان عدي من أجواد العرب وكرمائهم وكان شجاعا ً شهماً وفد على الرسول (ص) سنة 7 هجرية وكان آنذاك من أشد الناس كرهاً وعداوةً للإسلام وكان يدين بالمسيحية كبقية أفراد قبيلته وعندما جاء إلى المدينة لم يكن متحمساً للدخول في الإسلام إذ كانت زيارته استطلاعية ليتأكد بأن ما أخبرته به أخته سفانة من أخلاق الرسول (ص) وصفاته حقيقة واقعة على الأرض أم ادعاء ليس له مصداق ولذلك كان راصداً ودقيقاً في ملاحظاته منذ أن دخل مسجد الرسول (ص) إلى أن أعلن إسلامه.
كان في البداية يحمل في ذهنه صورة متخيلة عن الرسول (ص) بأنه واحد
من الملوك يريد أن يبسط نفوذه وسلطانه ليتأمر على الناس بمنطق القوة ، ولما دخل
المسجد انهدم أول ركن من هذه الصورة فلم يجد أبهة ًولا هيلماناً ولم يجد شخصاً
مميزاً في هيئته ولباسه عن بقية من حوله ليس له عرش وحرس يحيطون به ويمنعون الناس
من الاقتراب منه، استقبله الرسول (ص) أحسن استقبال ثم اصطحبه إلى بيته وفي الطريق
استوقفت الرسول (ص) امرأة عجوز فوقف لها بكل تواضع وأقبل عليها بكل احترام وتقدير
واستمع لها بكل اهتمام ولم يقاطعها حتى انتهت من سرد ما تود قوله ثم ودعها بكل حب
وتواضع، كل ذلك يجري وعدي يتأمل فينهدم الركن الثاني من الصورة المتخيلة فهذه ليست
أخلاق الملوك والأمراء في تعاملهم مع الناس مهما بلغ تواضع البعض منهم إنها أخلاق
الأنبياء. وصل عدي بن حاتم مع الرسول (ص) إلى البيت فلم يشاهد قصرا ًمنيفاً يحيط
به الجند ونقاط الحراسة ولم يجد سجادةً حمراء بين سماطين من الحرس شاكي السلاح كما
هي العادة في قصور الملوك والأمراء، لقد وجد بيتاً بسيطاً متواضعاً مبنيا من السعف
والطين، وكثير من بيوت الصحابة أكثر منه فخامة وضخامة. أدخله الرسول (ص) إلى
المجلس فوجده مفروشا بالحصُر وبه بعض وسائد الليف لا جلسة فاخرة ولا سجاد ثمين ولا
بواب أو مدير مراسم ثم دفع الرسول الأكرم (ص) لعدي بوسادة من تلك الوسائد ليجلس
عليها وجلس الرسول (ص) على الحصير وهو مقبلٌ بوجهه عليه والابتسامة تعلو وجهه (ص)
كل ذلك يجري وعدي بن حاتم يحلل المشهد في نفسه ليصل إلى نتيجة بأن كل ما رآه وسمعه
من ساعة وصوله إلى المسجد حتى هذه اللحظة لا يدل إلا على أمرٍ واحد وهو أن محمداً
(ص) نبي مرسل وليس ملكا متوجاً.
في هذا اللقاء دار حديث خلاصته أن الرسول الأكرم (ص) بشّر عدي بن
حاتم بأن المستقبل لهذا الدين العظيم وأنه سينتشر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً
وأن هؤلاء المسلمين الذين يبدون في حالة ضعف سيصبحون بفضل الإسلام القوة العظمى
على هذه الأرض، انتهى اللقاء ودخل عدي بن حاتم في دين الله بكل قناعة وصدق وإخلاص
وبعد وفاة الرسول (ص) شارك في معظم الفتوحات والمعارك التي خاضها المسلمون وكان من
خيرة أصحاب الإمام علي (ع) وقادته، توفي رضي الله عنه في حدود سنة 66 هجرية أو 68
هجرية على اختلاف الروايات عن عمرٍ تجاوز المائة عام.
هذه قصة صحابي جليل دخل إلى الإسلام من بوابة مكارم الأخلاق التي
اتصف بها الرسول الأعظم (ص) وجعل منها عنوانا ً لكل مسلم أصيل يمكن أن يتحول إلى
داعية للدين الحنيف بأخلاقه ومعاملته.
فسلام الله وصلواته عليك يا سيدي يا رسول الله يوم ولدت ويوم
اختارك الله إلى جواره ويوم تبعث حيا.
إبراهيم حسن إبراهيم

No comments:
Post a Comment