(( الضحية ))
بقلم : ابراهيم حسن ابراهيم صالح – الدير
https://ibb.co/JnSV1HW
إنها موروث شعبي جميل وقديم ، يحمل رسالة شوقٍ وحنين لبيت الله الحرام والكعبة المشرفة يحملها الأطفال مع هذه الضحية . إنها رمز للخير والعطاء والنماء ، تغرس في نفوس الأطفال روح التضحية والفداء.
في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة الحرام من كل عام ، حيث يحتفل المسلمون بعيد الأضحى المبارك – وبالأخص حجاج بيت الله الحرام حيث يقومون بذبح الأضاحي كجزء من شعائر الحج . هنا الأطفال يقدمون أضاحيهم أو ضحاياهم على طريقتهم الخاصة.
إعداد الضحية : قبل أسبوع أو أكثر من يوم عيد الأضحى المبارك ، تقوم الأسر في الزمن الماضي بإعداد هذه الضحايا . والضحية هي عبارة عن إناء صغير مصنوع من الخوص لها علقة مصنوعة من الحبال المصنوع من ليف النخيل .
يضع الأهالي كمية من السماد في بطن الضحية وهو عبارة عن براز الحمير المجفف ((الروف)) (( الروث ))– هذه الأيام تستخدم نشارة الخشب - ثم يضعون في حبوب الشعير وهو الأعم الأغلب وهناك من يستخدم بذور الماش . ثم تعلق في أماكن تسمح بوصول أشعة الشمس إليها ويتعهدونها بالسقي فتبدأ السيقان تطل برؤوسها الجميلة بحيث لا يأتي يوم عيد الأضحى المبارك إلا والسيقان الخضراء قد ترعرعت لتعطي للضحية منظراً جميلاً خلاباً . وعادة ما تخصص ضحية لكل طفل حيث يقوم بصفة يومية بسقيها برفقة الأم – إذا كان قادراً على ذلك – وكلما شاهدها تنمو وتترعرع إزدادت فرحته وزاد شوقه وتطلعه ليوم العيد حيث ترمى الضحايا في البحر .
ولماذا البحر ؟؟ لقد ارتبط سكان هذه البلاد الطيبة بالبحر منذ آلاف السنين فهو وسيلة التواصل ومصدر الرزق للكثيرين منهم وبه ارتبطت كثير من المهن والحرف وهو كاتم الاسرار وملهم الشعراء والادباء والكتاب والفنانين في مختلف المجالات وهو مكان الترفيه والراحة والاستجمام ومرتع الاطفال ومحل لعبهم - أيام الزمن الجميل - فلا غرابة إذا ارتبط الاطفال بهذا الازرق الساحر ليحملوه رسائلهم وأشواقهم .
التوجه إلى السواحل : في مشهد مفرح بهيج ومن بعد أن تفرغ الأسر من تناول غداء العيد وبعد الانتهاء من التزاماتهم تصطحب الأمهات أطفالهن إلى السواحل – عندما كانت السواحل مجاورة للبيوت وعلى بعد دقائق من البيوت البعيدة عن الساحل.
ومن التقاليد الجميلة وضع قليلٍ من العيش واللحم وأحياناً قطعة من العظم بين سيقان الضحية وكأنهم يريدونها أن تشاركهم في وجبة غداء العيد .
أهزوجة الضحية :
ضحيتي حيبي حيبي ...... الى بيت مكة إغدي بي
إلى مكة المعمورة ....... أم السلاسل والذهب والنورة
غديتش عشيتش ....... لا تعتبي عليه
وبعد إلقاء الضحية في البحر يقولون كلمة الوداع :
الله وياش يا ضحيتي .... حلليني وابري دمتي .
إنهم يتعاملون معها كأنها كائن حي يحمل الكثير من المشاعر والأحاسيس
ويبادلهم التحية بالتحية .
وقفة مع الأهزوجة :
للتعرف على معاني الأهزوجة لابد من تحويلها إلى اللغة العربية الفصحية فهي مكتوبة بالعامية ومن ألف هذه الأهزوجة كان يخاطب الضحية قائلاُ:
( ضحيتي حجي بي حجي بي ) فهو يطلب من الضحية أن تحمله الى حج بيت الله الحرام بمكة المكرمة . ومن كتبها قلب الجيم إلى ياء وهو أمرٌ مألوف في بعض مناطق البحرين فهناك من ينطق رَجّال (رَيّال) وحَجر(حَير) وحاجي (حايي ) مثال (بت الحايي) .
ومع الاستعمال حذفت إحدى اليائين لتصبح (حيبي) وبالهجة المحرقية أصبحت (حيه بيه) أي حجي بيِّه ، والخوف أن يفهمها البعض بانها حية أي ثعبان . وفي الأهزوجة : إلى بيت مكة اغدي بي وهناك منطوق ثان وهو : إلى بيت مكة وديني .
هوامش : لقد اختفت السواحل في الكثير من المناطق حيث ابتلعها الدفان الذي لم يبق ولم يذر فكلما حل الساحل بمكان جاءه الدفان وقذف به بعيداً بعيداً وإذا أراد أحدنا أن يرى البحر فعليه أن يحمل جوازه وبطاقته ويركب سيارته ويسافر إليه وقد لا يستطيع أن يكحل ناظريه بنظرة منه إليه فكثير من المناطق المطله على البحر أضحت أملاكاً خاصه وما على الشخص الإ العودة بحسرته متذكراً تلك الأيام التي كانت له هنا حظرة وأكثر وهناك منطقة لصيد الأسماك .
لقد أصبحت اللنجات والطرادات وسيلة لنقل الأطفال من أجل إلقاء الضحايا في البحر في هذه الأيام .
ومن الامور المقلقة بل والمخيفة أن يأتي اليوم الذي لا يجد فيه صناع الضحايا الخوص الذي تتم من خلاله صناعة الضحايا بعد أن أبيدت معظم المزارع والبساتين لتصبح أثراً بعد عين !!
تنبيه وتحذير : لقد دخل على خط الضحايا من غير الأهالي من أدخل عليها الأواني البلاستيكية " الاصايص " التي تشكل خطراً ماحقاً على البيئة البحرية إذا ما القيت فيه وهذا ما يستدعي تدخل الجهات الرسمية لمنع استخدام هذه الأواني وعلى الأهالي الابتعاد عن شراء مثل هذه الضحايا التي تسهم في تدمير البيئة البحرية فوق ما هي مدمرة !!! ومن أجل المحافظة على أصالة هذا الموروث ودعم صانعي الضحايا .
وفي الختام شكراً لكل الأخوات الفاضلات اللاتي امددنني بشيء من المعلومات مهما كانت بسيطة . وشكراً لكل من أسهم ويساهم في بقاء هذا الموروث الشعبي الجميل لتتناقلة الأجيال جيلاً بعد جيل .
الأحد : العاشر من شهر ذي الحجة الحرام 1440هـ الموافق للحادي عشر من شهر أغسطس 2019م
No comments:
Post a Comment