Wednesday, June 10, 2015

جريمة العصر... أين السمك؟ أين التمر؟

جريمة العصر... أين السمك؟ أين التمر؟

بقلم إبراهيم حسن إبراهيم صالح - الدير

كنت ومجموعة من الأصدقاء نتابع برنامجا تلفزيونيا على إحدى المحطات الفضائية يتناول التهديدات الأميركية والإسرائيلية لإيران على خلفية برنامجها النووي السلمي، فقال أحد الأصدقاء متسائلا: ماذا لو تحولت هذه التهديدات إلى حقيقة، وتأزم الوضع في المنطقة وتوقفت حركة البواخر في الخليج والمحيط الهندي؟ وبناء على هذه الفرضية غير المستبعدة، ماذا أعد المسئولون لدينا من خطط طوارئ؟ وهل لدى الدولة مخزون استراتيجي من المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والقمح؟ وخصوصا في ظل هذا الكم الهائل من المواطنين والأعداد الغفيرة من العمالة الأجنبية النظامية والسائبة؟ وكم سيكفي هذا المخزون إن وجد؟

عند ذلك تذكرنا أيام زمان عندما كانت البحرين قبل تدمير الثروة الزراعية، وقبل تخريب البيئة البحرية والقضاء على الثروة السمكية... في ذلك الزمان كان يمكن لسكان هذه الأرض الطيبة أن يعيشوا على التمر والسمك والماء، وما توفره لهم الأرض من خيرات أخرى.

كان المجتمع البحريني لدية اكتفاء ذاتي في جميع مستلزمات الحياة، فالحليب الطازج متوافر في كل بيت تقريبا، والبيض كذلك، وحتى اللحوم، إذ إن معظم سكان القرى كانوا يربون الأغنام والأبقار، ومن ناحية الحرف كان المواطن البحريني الأصيل يمارس جميع الحرف من صناعة السفن إلى البناء والتجارة والحدادة وصناعة الفخار والنسيج وصناعة الذهب والعطارة والخياطة والحلاقة والخبازة وكل ما يخطر على البال، أما اليوم فالاعتماد على الأجنبي في كل شي، وهذا ناتج عن سياسات خاطئة عملت على محو أمية الحرف وتثبيت أمية الحرفة.

ومع خطورة الوضع فإن هناك فئة بلا حس ولا ضمير ولا وازع من دين أو أخلاق يقضمون مال الله وعباده قضم الإبل لنبتة الربيع، همهم جمع المال والتسابق لرفع الأرصدة في المصارف، لم تبق نخلة إلا قتلت وهي واقفة، ولا نبتة إلا اقتلعت وهي صابرة، ولا ساحل إلا وتم ابتلاعه، إنهم أشبه بالثقوب السوداء التي تبتلع النجوم في الفضاء السحيق... وأدوا البسمة من على أفواه الأطفال وجلبوا الكآبة للكبار، شعارهم المفضل «دعهم يقولون ما يشاءون ونفعل ما نريد»، فمهما كتب الكاتبون واحتج المحتجون وبحت أصوات الخطباء والمنتدين، فإنهم جماعة لا يرف لهم جفن ولن يشعروا بوخز الضمير؛ إذ إن هذا الضمير قد مات وشبع موتا وتم قبره تحت أكوام من المليارات التي باستطاعتها أن تميت أي ضمير حتى لو كان صاحبه من يطيل الركوع والسجود ومن أصحاب الجباه السود واللحى الطويلة.

بعد كل هذا الدمار الشامل و «التسونامي» المرعب الذي طال البر والبحر، نتساءل إلى أين الملجأ والمأوى؟
إن الطامة الكبرى أن كل ما يجري من تدمير للبر والبحر يجري تحت مظلة مشروعات تنموية لا يستفيد منها المواطن فلسا واحدا، بل كل ما يناله منها الحسرة والألم وارتفاع السكر وضغط الدم، وخصوصا إذا كان من الأشخاص الذين عاصروا تلك الأيام الخوالي التي كانت فيها البحرين جنة الله على الأرض بحق وحقيقة، وبالأخص في مثل هذه الأيام عندما ينتهي الطلاب من الامتحانات وتكون وجهتهم شواطئ البحر أو البساتين للاستمتاع بالخضرة والماء والرطب الجني واللوز الشهي.

أما اليوم في هذا الزمن الرديء، فقد أصبح فيه اللوز فاكهة الأثرياء؛ إذ سعر الكيلو أغلى من صندوق المانجا من النوع الفاخر، بينما كان الأطفال في الماضي يجمعونه من تحت الفروخ - الاسم الشعبي لشجرة اللوز - مجانا أو يشترونه بسعر زهيد، هذا عدا عن سلال التين و «الهمبة» والباباي.

إن أحدنا ليصاب بالحسرة وهو يتذكر تلك السواحل ذات الرمال الفضية وتلك المياه الزرقاء الصافية وأحزمة الحشائش والشعب المرجانية والأسماك الوفيرة التي كانت تصل إلى السواحل، والكميات الهائلة من الروبيان التي كانت تصل بصورة طبيعية إلى أماكن وضع البيض وخصوصا في خليج توبلي – الذي تحول وللأسف إلى بحيرة آسنة بسبب أيدي التخريب – ثم تصطاده الحظور أثناء عودته إلى البيئة التي جاء منها، وكانت البيوت تمتلئ من ذلك الروبيان إذ يجفف الأهالي كميات كبيرة منه، ويتذكر تلك العيون المتدفقة مثل عين عذاري والسفاحية والخضراء وكوكب الشيخ... وعشرات العيون والينابيع التي دمرها الدفان العشوائي الجائر وقطع الشرايين التي كانت تغذيها.

إن المرء ليصاب بالذهول وهو يقارن بين ما تقوم به الكثير من الدول من الاهتمام بالبيئة وصيانتها وحمايتها من كل العابثين ووضع القوانين والأنظمة الصارمة لمعاقبة كل من تسول له نفسه اجتثاث شجرة أو اقتلاع إحدى الشعب المرجانية أو تلويث السواحل، كما توجد قوانين لتنظيم الصيد وتحديد الأحجام التي يجوز صيدها وتحديد المواسم والمناطق... كل ذلك للحفاظ على الثروة البحرية وحماية البيئة. أما الوضع عندنا فهو على العكس تماما، فعلى رغم كل هذا التدمير للبيئة بجميع مكوناتها وحلقاتها فإننا نجد من يبرر ويصدر شهادات البراءة مدعين أن كل شيء على مايرام، فالسواحل بألف خير والفشوت تعيش عصرها الذهبي والثروة السمكية في ازدياد، فلا داعي للقلق مادام رؤوس نوابنا الأشاوس تشم الهواء، فلا تعكروا صفوهم ودعوهم ينعمون ويتمتعون بعطلتهم الطويلة الممتدة حتى أواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2008، وإن أراد أحد أن يوقظ البعض منهم من رقدته ليقوم من سباته العميق «مؤتزرا كفنه شاهرا سيفه مجردا قناته» ملبيا دعوة داعي الفتنة في الحاضر والبادي، فما عليه إلا أن يعلن عن عزم جماعة من المسلمين بناء بيتٍ من بيوت الله يذكر فيه اسمه، عند ذلك ستثور ثائرة هؤلاء النفر وتقوم قيامتهم – فلا يصح أن يبني غيرهم المساجد - بل على الآخرين الصلاة في السراديب أو في أحسن الأحوال السفر إلى القرى التي جاءوا منها ليصلوا في مساجدها.

إنهم جماعه تعشق الفتنة وتحب اختلاق المعارك التي إن لم توأد في مهدها ستدخل هذا الوطن الآمن في نفق مظلم لا يعلم نهايته إلا الله سبحانه وتعالى، والأدهى والأمر أن المواطن لا يستطيع أن يحتج أو يستنكر كل ما طال البيئة من دمار وتخريب إذ وصلت السكين إلى العظم وتم قطع أرزاق آلاف البحارة، وإن ما حدث لبحارة الدير وسماهيج خير دليل على ذلك، إذ تجمعوا عند الساحل بتاريخ 11 يونيو/ حزيران الجاري في اعتصام مرخص ليحتجوا على دفان الساحل ومنحه لأشخاص غرباء عن هذه المنطقة، فما كان من الشرطة إلا أن هاجمتهم إذ تعرض الكثير منهم للإصابة ما استدعى نقلهم إلى المركز الصحي ونقل أحدهم إلى مستشفى السلمانية.

إن المطلوب منك أيها المواطن الغريق ألا تطلب النجدة ولا تصرخ وتستغيث إذا داس أحدهم على ظهرك، ولا تستنكر ولا تحتج إذا سلبت أرضك، وعليك أن ترضى بقطعة عظم بالٍ تلقى إليك!

وخلاصة الكلام... المطلوب منك أيها المواطن أن تحمد الله وتشكره وتصلي آناء الليل وأطراف النهار، وتدعو لمن حمى السواحل وحافظ على البيئة وأعاد إلى هذه البلاد بساتينها وعيونها ورطبها ولوزها وسمكها.
حمى الله البحرين ورعاها وجنبها أزمة كأزمة الإسمنت، إنه سميع مجيب... وكل عام والبيئة بألف خير.

إبراهيم حسن إبراهيم

صحيفة الوسط البحرينية - العدد 2122 - السبت 28 يونيو 2008م الموافق 23 جمادى الآخرة 1429هـ


No comments:

Post a Comment